ابداعات قلم
أخر الأخبار

صمت من نوع فاخر

لدينا جميع انواع التبغ الذي يريده ويشتهيه كل مدخن عاشق اللفائف البيضاء، السيجار، الغليون، تبغ المضغ المباشر بالفم وحتى التبغ المطحون المخصص للاستنشاق من الانف، لكن هل فكرتم يوماً في اقتناء افخر أنواع التدخين؟ هل كنت تعلم سابقاً أن ذلك الصمت المكتظ بالتبغ الحلو يثير الحواس، ينبه العقل، يفتح المدارك على عوالم بعيدة، غريبة، لم تطأها اقدام الثرثارين؟!

إن كنت تعلم هذا فاعرض عن مقالي واترك المجال فسيحاً لمن لا يعرف ذلك.

“صمت مُغلف بالصخب”

هذه عُلبة شعبية يستعملها الاغلبية العظمى ليس لها ثمن غالِ، بل هي زهيدة وفي متناول الجميع، بها عدد قليل من اللفائف، وتتلخص كل لفافة بمعضلة حياتية أو مشكلة عائلية ممزوجة ببعض السخط والتمرد وقلة الحيلة، وهذه اللفائف سرعان ما تحترق لان وقتها قصير وسريعاً ما تنتهي اللفافة بإنتهاء حشوها فيخرج آخر خيط دخان منها مبتسم ابتسامة رضا.

“صمت محشو حلوى”

وهذا مخصص للسيدات والمبتدئين، فهو ذات حشو ناعم من مشكلات عاطفية أو غيرة واقسى حشو في اللفائف هو تبغ الفراق، يشعلها المبتدأ الذي يلوذ إليها تائهاً حائراً ويقف في مفترق طرق بين تمسكه بإيمانه بالإله وعقابه من خوض تجارب محرمة وبين اقصر الطرق للتنفيس عن الغضب وهي لفائف الدخان، أما النساء فهي رفيقتهن الدائمة تجدها مثلهن ناعمة، ذات رائحة حلوة مشبعة بسكر مُر لا يتحمله غيرهن، فهذه لفافة صفراء كلما انتابتها الغيرة، وهذه سوداء للإعلان الحرب على الشريك، وتلك حمراء تناسب سهراتها العاطفية، ودوماً تنتهي كل تلك اللفائف بالندم.

“صمت معجون بالتيه”

هذا النوع مُصفى جيداً من الرواسب والشوائب، يحلو دوماً للمكتئبين واصحاب الخيبات المتتالية التي لا تفرغ حقائبهم من صور، رسائل، تذكارات تذكرهم دوماً كم كانوا ساذجين في هذه الحياة، هذه اللفائف تباع بالواحدة وهي غالية الثمن تحتاج لمجهود جسدي ونفسي لتستطيع شرائها وتدخينها في صومعتك بعيداً عن الصخب وكاسات السكر المُكرمل، إنها تحتاج سنوات من عمرك ومجموع كبير التجارب تؤهلك لتناول واحدة من تلك اللفائف الغليظة.

“صمت بغليون كلاسيكي”

نأتي هنا لأقوى وأفخر أنواع الصمت الدخاني، إنه تبغ صافي وخام لا يقوى على شرائه الا اصحاب النفوذ والقوة والمال، فلن تجد رجل اعمال يعاني من ضياع ثروته في البورصة أو يقامر في إحدى النوادي الا وفي جيبه الصمت كحشو اساسي لغليون يومه، ولا يشترى الا صمت من نوع فاخر يعجبه ويعطيه الاحساس بالانتشاء، وهناك من يخسر عمداً ليكون لدخانه فائده وهو ينخر في صفحة صدره القوية.

“صمت مُطبق بين الفكين”

لا يمتلك هذا النوع من الدخان الصامت إلا قلة قليلة هم من جربوا كل انواع الصمت ولم يعد يؤثر تبغها فيهم، فأصبحوا يتناولوا الصمت مضغاً يحبسون نشوتهم به في الصدور ولا ينفثون الا قليل من رماديته الثقيلة، لم يعد هناك مايهتمون لأجله أو حتى انفسهم فيغلق على ذاته ألف باب ويغوص في الظلام ولا يجود عليه القدر سوى بعلبة صفيح صدأة مُعبأة بتبغ السكون الصرف الذي لا تستطيع حرقه أو حتى بلعه فيقف بين الفكين مهموماً .

“الصمت القاتل”

ليس فاخراً فقط و ثميناً حد المغالاه بل إنه اخطرهم جميعاً فهو يدخل من الانف ليصل إلى خلايا المخ مباشرة، يعيث فيها فساداً ولن يستعمله إلا من يرغب في موت بطئ وانتحار لذيذ ذا نشوة دائمة، ذلك الصمت هو ما قبل الموت بايام بعد أن تكون وصلت لمرحلة عدم القدرة على الحديث أو التجاوب مع الاخرين فيستأثر بصمته المميت الذي اذا تركه مات صخباً.

” الآن “

رأيت الصمت في كل نفس من نفوس البشر وكل نوع منه يناسبه لفائف محددة وهي درجات لتقبل المتاعب أو الهروب منها أو مواجهتها، فأي نوع تُفضل ولأي مرحلة وصلت متاعبك؟
هل هربت منها وتركتها تنهش في عمرك وحياتك أم أنك واجهتها ثم جلست في صمتِ تدخن لفافتها الاخيرة؟
لا تكن عزيزي مدخن بارع للصمت بل كن حارق له، مُدمر المعوقات، مُهلك الصعاب.

 

كتبت/ إيمان الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى