مقالات حره

الغروب الاخير

مشهد درامي

جفون مثقلة بخيوط الغروب، إن للغروب نكهة تشبه نكهة الموت والشروق يُعني البعث من جديد ظناً في حياة أبدية فيسدل الغروب على نورانية الظن شفق يقينه، ليعيد الموت بعثه المتهدل خلف شروق آخر على بقعة بعيدة من الارض.

ظلام يدهم المكان، رائحة عطنة تلف الاجواء، الهواء النقي بدأ يتسرب خارجاً كأسير يفر من حاكم ظالم، ثم ماذا؟ لا شئ؛ فقط الفراغ، شيئاً ما يطبق عليه اصابعه المجروحة ويقربه من أنفه حتى يعرف ماهيته، صرخة تدوي تتصدع لها الجدران إنها عظام تشع منها رائحة الموت، كما يفرض الغروب ظلامه على الحياة فسلطان الموت ينشر عطره النفاذ اينما حل.

اعتدل بعد رقاد دام طويلاً، لا يدري كم مضى عليه من وقت وهو في تلك الحالة وهذا المكان، تذكر أن بجيبه علبة صغيرة بها اعواد ثقاب وبضع من لفائف التبع، اشعل إحدى الاعواد وكانت الصدمة… إنه يجلس في مقبرة جماعية وحوله تتناثر العِظام والاشلاء في كل مكان.

شلته الصدمة لدقائق لا يعلم عددها فساعة يده توقفت تماماً كأن الموت خطف أرواح عقاربها الثلاث، وكيف لا وقد توقفت الساعة مابين السادسة والسابعة هل كان وقت شروق أم غروب؟ بالتأكيد كان غروباً هو الوحيد القادر على خطف الارواح بظلامه تماماً كالموت، اشعل عود ثقاب آخر ليطمئن على نفسه، وجد ثيابه ممزقة مليئة بالدماء وجسده مغطى بالقرح والجروح لكن اخطرهم هو جرح غائر في الرقبة.

تأكد أن ليس امامه الكثير من الوقت اشعل عود ثقاب اخر لينظر في يأس مرقده الابدي فوجد اسفل جمجمة احدهم حجر ابيض فالتقطه وبدأ يخط على الجدار الذي يستند عليه ” لا تأمن الحياة، أمس كنت بين ذراعيها والان أنا اسفل قدمها، لا تغرنك القوة ففي هذا المكان اجتمع القوي بالضعيف، لا تلهث خلف الملذات فالفاجر جاور التقي في التراب لكن لكل منهما برزخه الذي يمضي فيه حتى اخره، ظننت أن بكل ماجمعت من اموال وما ملكته من سلطان وبقوة تفوق قوة الجبال أني باقِ، خالد، لن أفنى، لكن أتى الموت ليطعن ظني بحربة اليقين، فليلتقط صدري دخان أخر لفافة تبغ لي في تلك الحياة وأتمنى لو ينتظرني الموت حتى انهيها”

بعد أن اشعل لفافة التبغ وسحب إلى صدره بعض الدخان لم يخرج من فمه وبقى في صدره.. إن الموت لا يعرف الانتظار.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى