ابداعات قلم

فتاة الحافلة (عشق صامت نهايته خنجر)

مشهد ادبي درامي رومانسي

تتهادى في خطواتها كراقصة بالية، تداعب الارض بأحرف اصابعها تخشى استيقاظها باكراً منزعجة، تنتظر كثيراً تلك الحافلة التي قلما تأتي في موعدها، فتزفر من بين شفتين ورديتين زفرات الغضب، وتردد بنبرة خافتة لعنات على ذلك السائق الغير منتظم.

اتساع عينيها البنيتين بإرتياح عندما تلمح الحافلة قادمة من بعيد، يجعل وجهها الاسمر صغير القسمات اكثر اشراقاً، فتبتعد وجنتاها كي تفسح الطريق لبسمة صغيرة، تصعد فيلتفت الجميع لعطرها الفواح، الذي طغى انوفهم رغماً عنهم.

تبحث بعينيها عن مقعد جوار النافذة، فلم تجد سوى المقعد قبل الاخير فارغاً، جلست ثم وضعت سماعات اذنها المتصلة بهاتفها الخلوي، لتبدأ سلسلة من موسيقاها المفضلة، وأنا اجلس دوماً بقربها اذ كنت صعدت قبلها أم بعدها.

قميصها القصير يثير حنقي، يجعلني اريد أن أخبئها بين اضلعي كي لا تأكلها العيون، أما عن سروالها الضيق فليس لي فيه سوى انه يشعرني أنها لا ترتديه من الاصل، كيف لها فعل هذا بي؟لكن عفواً ياقلبي هل هي تعلم عن كل مايدور بداخلك تجاهها؟ اذا فلتصمت .

اليوم جلست امامي فلم استطع أن اراها جيدا، قطعت نصف الطريق ساهماً، ارى فقط انعكاسها في زجاج النافذة، حتى قامت تلك السيدة التي تجاورها، فقمت سريعاً لأجلس بجوارها، فكانت اول مرة اقترب منها إلى حد أن كتفينا يتلامسان.

لم تشعر بوجودي أو حتى نظرت لي، إن نظرها دوماً معلق بالطريق، وانتباهها منصرف لموسيقاها، حاولت لفت انتباهها فوجدتني اقول:
– هل لديك زجاجة مياة يا آنسة؟
لم تنتبه أو بالاحرى لم تسمعني، فطرقت بيدي فوق حقيبتها التي تضمها بين ذراعيها، فالتفتت لي بشي من فزع ورفعت إحدى سماعات اذنها وقالت:
– عفواً، لم اسمعك اتريد شيئاً؟
صوتها أسرني وألجم لساني فابتلعت ريقي بصعوبة ولم استطع النطق، فقالت:
– ما بك هل أنت مريض؟ انتظر.
اخرجت من حقيبتها زجاجة مياة صغيرة وقالت لي:
– تفضل، انها مياة باردة ممزوجة بماء الورد ستجعلك افضل.
التقطت من بين يديها الزجاجة فتلاقت اصابعنا، شعرت هي ببرودة يدي وقالت :
– جسدك كالثلج لابد أنك مريض بالفعل، هل تريد أن نذهب إلى المشفى.
تتحدث وأنا تائه في صوتها الناعم وقسمات وجهها التي تتبدل كلما ظهر من بين فكيها كلمات مختلفة ومن بين جنباتها شعور جديد، فما كان مني إلا أن اقول:
– بعتذر منكِ آنستي، اشعر ببعض التوعك وبعد قليل سيكون كل شئ بخير لا تقلقي.
تجرعت قليلاً من مائها المعطر ثم اعطيتها الزجاجة ثانية فلم تقبل وأصرت على أن احتفظ بها ريثما احتاج لبعض الانتعاش اتجرع منها القليل.

ابتسمت بود ثم اعادت السماعة إلى اذنها وعلقت بصرها على الطريق وكأن شيئاً لم يكن، دقائق وغفت فتركت رأسها تميل إلى النافذة، قام شعرها الاسمر الفاحم بالمتمرد على حجابها الابيض الناعم والتسلل خارجه ليقف الحجاب عاجزاً عن ردعه، حاولت أن ارفع طرف حجابها المتدلي بجواري فلم افلح في تغطية ما ظهر من شعرها.

بعد دقائق انار هاتفها وصدح بموسيقى ناعمة معلناً أن احدهم يهاتفها، فاستيقظت ثم اجابت على الهاتف:
– الوو، صباح الخير حبيبي، اجل استقليت الحافلة ومتجهة إلى عملي، اجل اجل سأخذ الدواء في ميعاده واتناول فطوري وغدائي ولن انسى مهاتفتك عند خروجي من العمل، هل هناك تعليمات اخرى؟
ضحكت بصوت مرتفع قليلاً ثم اكملت:
– اشتقت إليك كثيراً سأنتظرك في عطلة هذا الاسبوع لنخرج في نزهة، لقد مللت البيت والعمل ولا جديد افعله، اذاً سأكون في انتظارك، لك حبي.

لأول مرة انتبه أن الحلقة الذهبية في بنصرها الايمن هي خاتم خطبة، فهي من الانواع الحديثة غير التقليدية وكنت اظنه كل تلك الفترة مجرد خاتماً عادياً، أتت محطتها التي تترك فيها الحافلة وتذهب، لكن هذه المرة تركت ايضاً خنجراً بقلبي سيظل ينزف ابداً وزجاجة ماء معطرة بالورد تذكرني بها كلما حاولت النسيان، لكن مهلاً إن الملائكة لا تُنسى.

اللعنة على الحافلة، اللعنة على مخطوبها، اللعنة على صمتي وغبائي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى