منوعات

قضايا في تاريخ المثلية الجنسية

“الشذوذ الجنسي”معضلة علي مر العصور

قضية “كوين بوت”

وقعت أحداث هذه القضية عام 2001. جمهور غاضب في الخارج يكيلون للمتهمين أنواعًا من السباب والشتائم، والإعلام يلقبهم بعبدة الشياطين. المتهمون يذهبون إلى قاعة المحكمة مرتدين قناعا أبيض مصنوعًا من قماش مخفين بذلك وجوههم خوفًا من الفضيحة. محاكمة بلا استئناف قضت على 23 من المتهمين بسجن لخمسة سنوات وهو أقصى من العقوبة اللازمة في مثل هذه القضايا.

إلا أنه بعد ضغوطات وإعتراض من المجتمع الدولي . يوجه الرئيس حسني مبارك قرارًا بتخفيف محاكمتهم إلى جنح عادية. التهمة الموجهة: ممارسة الشذوذ الجنسي.لا يوجد في القانون المصري مواد لمعاقبة المثليين. لكنهم يعاقبون وفقًا لقانون الدعارة بتهمة ممارسة الفجور إستنادًا إلى المادة 9.
على مر الزمان والمكان إختلفت المواقف الإجتماعية تجاه العلاقات الجنسية من نفس الجنس.


ففي بعض الأحيان تقبلت بعض المجتمعات السلوك المثلي وكان العرب قديمًا أكثر تسامحًا مع المثليين منهم الآن واكتفوا بتجاهل هذا السلوك وعدم الالتفات إليه، وقد تعايش المثليون حينها دون إخفاء توجهاتهم الجنسية، في فترات أخرى كان يتم وصمهم وإلصاق بعض الصفات والألقاب بهم. وفي فترات أخرى كان يتم التنكيل بهم ومعاقبتهم أشد عقاب من الجلد والسجن وصولًا إلى الإعدام.

من المجتمعات التي تقبلت المثلية الجنسية هي الدولة اليونانية القديمة. أما الديانات الإبراهيمية عدتها كتجاوز للقانون الإلهي، وترى أن المثلية الجنسية مخالفة للطبيعة الإنسانية في التكاثر والبقاء.

متى بدأت المثلية الجنسية ومن أين جاءت؟
الامتعاض والإستنكار الذي يقع حينما تطرح هذه القضية أمام العربي قائلًا: ” المثلية الجنسية تصدير من الغرب وضعاف النفوس من الصبيان والصبايا تأثروا بها”.

اتضح خطأ هذه المقولة، فالمثلية الجنسية لطالما كانت موجودة في الشرق الأوسط وفي العالم ككل حديثًا وقديمًا. سؤال متى أو أين غير صحيح في هذه القضية لكن الأصح السؤال عن السبب في المثلية. ومازال هذا التساؤل مطروحًا من قبل العلماء : هل المثلية شيء مكتسب من المجتمع أم من نشأة الفرد وتربيته أم هو جينات يتم إنتقالها بالوراثة أم يتعلق بالنشاط الهرموني؟.

إلا ان كثير من العلماء رجحوا أن الجينات تلعب دورًا أساسيا في ذلك، واستدلوا على ذلك أن أكثر من 50% من التوائم المتطابقة لهم نفس التوجه الجنسي أي ان كان أحدهما مثلي فنسبة ان يكون الآخر كذلك هي 52%. وفي حالة التوائم الغير متطابقة تكون 20%. ولاحظ العلماء أيضًا وجود السلوك المثلي في الحيوانات بداية من ديدان الارض حتى الرئيسيات.

أدلة على وجود سلوك مثلي قديمًا وأقدم حالات تم توثيقها:

-عثر علماء الآثار في التشيك على قبر لرجل مثلي يعود للعصر النحاسي أي 2500 سنة قبل الميلاد. ويعتقد العلماء أن صاحب القبر مثلي الحنس بسبب الطريقة الغريبة التي دفن بها، حيث وجدت عظامه حولها بعض الأدوات المنزلية كإبريق ووعاء بيضاوي. ومثل هذه الأغراض لا توجد إلا في قبور النساء فقط.

فعلم تاريخ الأعراق يخبرنا أن هذه الفترة الزمنية كان لهم شعائر دفن معينة ولا يمكن أن تكون هذه الحالة هي خطا،فالرجال في هذه الفترة كانوا غالبًا مايدفنوا بجانبهم بعض الاسلحة كالفأس أو السكاكين. فنحن هنا أمام حالة ترانس جيندر أو مايطلق عليه باسم “جنس ثالث”.

عثر على قبر عمره 2400 عام بمصر، لرجلان دفن سوية في نفس القبر بنفس الطريقة التي يدفن فيها زوجان أو عشيقان وكتب على شاهد القبر: ( تشاركنا الحياة وسنظل مع بعض في الممات).

-قبائل السكان الاصليين في أمريكا إذا وجدوا صبيا يتصرف تصرفات أنثوية، كان يتم وضعه بين البنات ويربى معهن إلى أن يكبر ويسمح له أن يتزوج رجلًا حينما يكبر.

قدماء المصريين والمثلية:


يذكر نص مدون على قطع البردي أن الفرعون “نفركاع” كانت تربطه علاقة جنسية مع قائده العسكري (ساسينت) فكان الملك يتخفى بلباس العامة ويخرج تحت جنح الليل ليقابل عشيقه في بيته.
ذكرت بعض البرديات علاقات مثلية لأخناتون، وأمنحتب الرابع، والملك “بيبي الثاني” من الأسرة السادسة في عصر المملة الوسطى.

نوادر العرب والمثلية وملح أشعارهم:


وقد ذكر الإمام السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء عن مثلية الخليفة الوليد بن يزيد بن عبدالملك وتبعًا لشهادة شقيقه سلمان بن يزيد حيث ذكر ان أخيه راوده عن نفسه.
وإنتشرت المثلية الجنسية في فترة الدولة العباسية فنجد الأمين محمد هارون الرشيد كان يحب خادمه واسمه كوثر وقد كتب فيه هذه الابيات: (كوثر ديني ودنياي*** وسقمي وطبيبي***أعجز الناس الذي يلحـ***ـى محبًا في حبيبِ)، حاولت أم الامين بشتى الطرق أن تدع عنه حب الغلمان حتى انها احتالت وجاءته بجوارٍ حليقات الرأس مرتدين لباسًا كلباس الرجال.

الخليفة الواثق بالله وعشيقه مهج وكان غلامًا مصريًا. وقد هواه الخليفة إلى درجة الجنون وأنشد الخليفة في حبه: (حياك بالنرجس والورد***معتدل القامة والقد***فألهبت عيناه نار الهوى**وزاد في اللوعة والوجد)

الخليفة المتوكل عشق مملوكًا اسمه شاهك، وكان يهوى المماليك الاتراك ويشتري لهم أغلى أنواع الديباج والحلي والذهب.

كانت الحياة الجنسية لمحمد علي باشا -مؤسس الدولة المصرية الحديثة- محل سر. إلا ان بعض المؤرخين ذكروا حوادث أثبتت مثليته. وليس ذلك فقط بل ذكرت العديد من المواقف تثبت مثلية ابنه إبراهيم باشا وأيضا حفلات المجون التي كان يقوم بها حفيده عباس باشا حتى أنه قتل على يد غلامان له اراد أن يفسق بهما. ومحمد سعيد باشا الحاكم الرابع في أسرة محمد علي باشا.

من النوادر التي ذكرت عن الشاعر أبو نواس -وقد اشتهر بالمثلية الجنسية- أنه في يوم التقى صديقًا له، ولم يكن قد رآه منذ عهد من الزمن. وصديقه اسمه بدر وكان يسير مع أبنائه، فقال له ابو نواس: “ويحك يا بدر أ لم تعرفني؟”. فقال: لا. فسأل أبونواس عن حاله وعن الصبية الذين معه. فقال هؤلاء هو أبنائي. فقال له أبو نواس: “فلا إله إلا الله كاد هؤلاء الصبيان يكونون مني لو بقيت معك قليلًا”. وسُمِع عن أبو نواس يقول: (اشتهي شيئًا لا أجده في دنيا ولا آخرة). فقال له صديقه: (ويحك، في الجنة ماتشتهيه الأنفس). فقال: (اشتهي غلامًا حلالًا). فأجابه: (لن تفلح والله أبدًا)، وفي مرة حضر أبونواس وليمة أعدها صديق له، فتباطئ الغلام في إحضار الطعام، وكان غلام حسن المظهر بهي الطلة فوبخه الرجل وضربه فأنشد فيه أبونواس:

أيها الخادم الذي لو لي *** الأمر لكان الملك المخدوما آلم القلب والجوارح مني *** أن أراك المهان والمشتوما.

وكتب بعضهم في المثلية: أتجعل من تطمث كل شهرٍ***وتنتج طفلًا في كل عام كأمرد واضح الخدين حلو**يزينك في النعوت وفي المقام تكلمه بما تهوى جهارًا***بلا خوف المؤذن ولا الإمام

شخصيات لم تكن تعلم بأنها مثلية:
من أشهر الشخصيات قديما التي اشتهرت بالمثلية: سقراط ولكنه كان bisexual. وكان يعشق تلميذًا له اسمه “أليسباديس” وكان الاغريق واليونانيون يعتقدون بـpassive active وهو الحب بين المعلم والتلميذ، النحات الإيطالي مايكل أنجلو، وأيضًا الرسام والعالم ليوناردو دافنشي وقد أرادت الكنيسة الكاثوليكية معاقبته بالإعدام إلا أنه ألغي القرار لعدم توافر أدلة ولأن أحدًا لم يشهد ضده،آلان تورينغ الذي يعود له الفضل في إختراع الكومبيوتر والذي إنتحر بعد أن افتضح أمره ومثل أمام المحكمة فحكمت عليه بالإخصاء الكيميائي وتم بعد ذلك عزله وفصله عن عمله في جامعة مانشستر وانتحر عن طريق أكل تفاحة مملوءة بالسيانيد.

الذعر الأخلاقي وعلاقته بقضية المثلية الجنسية:
والذعر الأخلاقي هو إنتشار الخوف بين كثير من الناس لتصورهم أن بعض الشر سيهدد رفاهيتهم أو سيهدد قيم المجتمع ونظامه بسبب مجموعة من الأفراد أو الأفعال. فنرى أن الإعلام قد استغل بعض المعضلات والقضايا التي تمس أخلاق المجتمع وقامت بإثارة الرأي العام نحوها ثم تحول هذا الذعر إلى جزء من الخطاب السياسي. فنرى أن الإعلام في سنة 2001 لقب المتهمين في قضية كوين بوت بـ”عبدة الشياطين” وذلك لإثارة غضب المشاهد وتحويله إلى رائد لحماية الأخلاق. وقد يتم استغلال الذعر الأخلاقي لأغراض سياسية وإقتصادية، بهدف خلق دعم من أجل السيطرة على الأزمة.
فعلى سبيل المثال من منا لم يرى جملة: (إنتشار الغلاء ما لم تتحجب النساء). فنرى في هذه المقولة هو ربط العقل الجمعي بين مفهوم “العقاب يعم” وبين فعل لايؤثر على المجتمع بالسلب أو الإيجاب.
فنرى أن قضايا المثلية هي وإن عدها المجتمع جريمة إلا انها جريمة عديمة الضحية.
بعد قضية “كوين بوت” عام 2001 وقضية “حمامات رمسيس” سنة 2015 وما أثارتاه من ضجة كبيرة. نتسآل: هل الشعوب العربية تعاني من الهوموفوبيا الجماعية؟
الاجابة هي أن البنية السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية للمجتمعات العربية والمصرية بوجه الخصوص ربما تكون غير جاهزة لمناقشة قضية المثلية الجنسية. إلا اننا نلاحظ في هذه المقال أنه على مر الأزمنة إرتبط قبول المثلية بزيادة الوعي الثقافي في المجتمع.

سلكنا في هذا المقال مسلك الحياد حتى يتم طرح هذه القضية بالوجه السليم خاصة أن هذه القضايا تعتبر شديدة الحساسية في الوطن العربي والواجب مناقشتها بكثير من الحذر. وإرتكزت هذه المقالة على ذكر المواقف والاحداث التاريخية بعيدًا عن الآراء الشخصية أو الإتجاهات والمعتقدات.

كتبت:وئام مصطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى