مقالات حرهمنوعات

الأمثلة العامية والشعوب

الأمثلة مرآة الشعوب فهي تعكس الجوانب البيئية والإجتماعية والإقتصادية والدينية وتكون خلاصة التجارب الإنسانية ويتم تداولها وتناقلها عبر الأزمنة،كما تعتبر مورثًا ثقافيًا يبقى حيًا في عقول كل شعب.

وقد إرتبطت في أغلبها باللهجة العامية الدارجة مما أكسبها حس الفكاهة وخفة الدم وأيضًا سهَّل تناقلها عبر الألسن.

إختفت  بعض الأمثلة أو الكنايات العامية لقلة إستخدامها وعدم قدرتها على مواكبة تطور اللغة العامية السريع وبعضها يعود لظهور مرة أخرى ودخول كلمات أجنبية وإختفاء المرادف العربي لها.

ففي اللغة العربية الفصحى نرى أن كلمة الروبيضة وتعني من يتكلم فيما لايفهم. وجاءت في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ينطق فيها الروبيضة)، فسأله الصحابة عن معنى هذه الكلمة- وهنا يدل على أنها لم تكن كلمة متداولة-  فقال صلى الله عليه وسلم: (هو الرجل التافه الذي يتكلم في أمر العامة)، وقد عاودت اندثارها عهدًا طويلًا من الزمن حتى عاد  ذكرها فترة ثورة يناير.

قد تكون العامية المصرية خير مثال على ذلك فقد حافظت على بعض الكنايات والمفردات التي تعود إلى عهد الفراعنة كما حفظت أجسادهم  وبردياتهم فمازلنا نستخدم أيضًا بعضًا من مرادفاتهم مثل: (كاني وماني، حيص بيص، حتتك بتتك، سلقط وملقط).

 

تشابه الأمثلة حول العالم:

وقد تتشابه بعض معاني الأمثلة وتختلف اللغة وهو أمر شائع، لكن الأمر الغير شائع هو أن بعض الأمثلة تستخدم نفس المقابل أو المرادف اللغوي

الهدوء الذي يسبق العاصفة  silence that precedes the storm

الطيور على أشكالها تقع    birds of a feather flock together

إن غاب القط العب يا فار  when the cat is away the mice can play

الجانب البيئي يلعب دورًا هامًا في الأمثلة:

فعلى سبيل المثال نرى تكرر ذكر الإبل (الجمل) في الأمثلة العربية: (إن سرقت أسرق جمل وإن عشقت أعشق قمر)،(اللي عايز يربي جمل؛ يعلي باب داره)،( كل أكل جمال وقوم قبل الرجال).

في حين نرى في النصف الآخر من الكورة الارضية في كوريا الجنوبية يتكرر ذكر النمور في الأمثلة:

(إذا ذكرت النمر فسيظهر لك)يتطابق  في المعنى مع  المثل المصري “جبنا في سيرة القط جانا ينط”.

( حينما تموت النمور فيبقى منها جلدها كذلك الانسان حينما يموت يبقى منه ٱسمه).

(إذا أردت أن تمسك بنمر؛ فعليك أن تذهب إلى عرينه).

الأمثلة الشعبية في الغالب يكون لها أصل أو قصة أتت منه ثم جرى ذكرها في الأفواه والألسن:

 

“آخر خدمة الغز علقة” ويضرب هذا المثل في نكران الجميل،والغز هم الغزاة، وقيل في المماليك فكانوا إذا دخلوا قرية إلا وعاثوا فيها فسادًا؛ نهبوا الأرض والمحاصيل، وأجبروا اهلها على العمل بالسخرة إي إلزامًا دون مقابل، ولا يسلم من بطشهم كبير أو صغير، وحينما تنفد موارد القرية يخرج المماليك ولكنهم لا يخرجون بهدوء بل يقومون بضرب الرجال العاملين كنوع من فرض السطوة.

 

“ابن الديب مايترباش” ويقال هذا المثل أن الأب إذا كان سيء الخلق سينشأ الابن على خصال أبيه، ويروى أن أعرابية عثرت في يوم على جرو ذئب صغير فقامت بتربيته حتى كبر ثم في يوم أكل خرافها فقالت فيه:

غذيت بدرها ونشأت معها ***فمن أنبأك أن أباك ذيب

وإن كان الطبع طباع سوء***فلا أدب يفيد ولا أديب

 

“اجري يامشكاح للي قاعد مرتاح” وهذا المثل يضرب لمن يأتيه رزقه دون سعي وفي العربية يقابله (رب ساعٍ لقاعد) وقيل أن وفدًا جاء لنعمان بن النذر وكان معروفًا بكرمه وكان في الوفد رجل يسمى شفيق فمات عنده، ولما كانت ذلك الوفد يهم بالعودة أعطاهم النعمان الكثير من الخير والنعم وبعث لأهل شفيق معهم فقيل فيه (رب ساع لقاعد).

الوجه الآخر للأمثلة والكنايات الشعبية:

الأمثلة الشعبية على قدر ما تحتوي على شيء من الفكاهة وخفة الدم إلا أنها ترسخ مفاهيم سلبية في المجتمع.

ففي الوقت الذي تعد الأمثلة مدخلًا جيدًا لفهم تلك المجتمعات ووعيهم ونظرتهم للحياة.

يتشكل الوعي الجمعي  من عدة عوامل سواء ثقافية أو نفسية أو لغوية وغيره. فإن كانت الأمثلة الشعبية تمثل حكمة الشعوب وتصوراتها عن الافراد ويمكن اعتبارها فلسلفة الجماهير؛  فللأسف لا يمكن أن ننكر مقدار وحجم العنصرية والدونية والطبقية وتعزيز الصورة النمطية والتفرقة الدينية في أمثلتنا. فاللغة هنا تتحول إلى وسيلة لتمرير العنف والتمييز على مر العصور. والناس تستخدم الأمثلة والكنايات الشعبية بشكل واعي أو بدون وعي إلا أن الأمر الذي يجب أن ننظر بشأنه هي أن البعض يستخدمها كإستدلال على صحة غرضه أو رأيه. وهي ليست حالات نادرة أو قليلة بل إن هذا النوع من الأمثلة منتشر في منتطقتنا العربية وبإختلاف اللهجات.

الطبقية: (العين ماتعلاش على الحاجب)، (على قد لحافك مد رجليك)، (أبوك البصل وأمك التوم؛ منين لك الريحة الطيبة يامشؤوم)، (يدي الحلق للي بلا ودان).

العنصرية: (حبيبك اللي تحبه ولو كان عبد نوبي)، (جاي من ورا الجاموسة)، (ياسوداء اجلسي هنا ريثما ابحث عن البيضاء)، والمصريين يستخدمون كناية (استكرد)  وهي تعود على الأكراد وتعني من أخذ حقه وفيها إتهام بالسذاجة والغباء.

التفرقة الدينية: (يلي بياخد من غير ملته، بيموت بعلته)، (عدو جدك ما يودك)، (كل عند يهودي وماتاكلش عند مسيحي ونام عند مسيحي وماتنامش عند يهودي)، (إذا احتاجوا اليهودي، قال اليوم يوم عيدي)، (ابن الرافضي) والمراد بالرافضي هو الشيعي وتستخدم كنوع من المسبة.

النظرة الدونية للمرأة: (موت البنت سترة)، (البنت يا تسترها يا تقبرها)، (ما أحلى فرحتهم لو ماتوا بساعتهم)، (قالوا لي ولد اشتد ظهري واتسند قالوا لي بنت اتهدت الحيطة عليا)،( مات أخوي انكسر ظهري ماتت أختي اتستر عرضي).

وعلي إختلاف وتنوع الأمثال تبقي دائمآ جزء من تراثنا وعربيتنا التي لا يمكن الإنفصال عنها.

 

كتبت:وئام مصطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى