من فات قديمه

الدولة المملوكية…7

العهود الثلاثة للناصر محمد بن قلاوون وما بينها

بعد مقتل الأشرف صلاحُ الدين خليل يوم السبت 12 مُحرَّم 693هـ المُوافق 31 ديسمبر 1293م، تلاها خمسة أعوام إنحصر فيها التاريخ المملوكي بشكلٍ تامٍ تقريبًا في حوادث القتل والمُؤامرات بِشكلٍ مُتواصل، ذلك أنَّ المُتآمرون إجتمعوا واتفقوا على تعيين زعيم المُؤامرة الأمير بدرُ الدين بيدرا سُلطانًا، لكنَّ هذا الأخير قُتل بِدوره على يد مماليك السُلطان المغدور بِزعامة الأمير زين الدين كتبغا المنصوري، الذي سار بعد ذلك عائدًا إلى القاهرة لِيتربَّع على عرش السلطنة، لكنَّ الأمير علم الدين سنجر الشُجاعي – الذي كان السُلطان الأشرف خليل قد أنابه عنه في قلعة الجبل – حال بين كتبغا وبين دُخُول القاهرة، فجرت مُفاوضات بين الطرفين إنتهت إلى إختيار مُحمَّد بن قلاوون أخي الأشرف خليل سُلطانًا، كان السُلطانُ الجديد ما يزال طفلًا صغيرًا لم يتجاوز عُمره تسع سنوات، وقضى سنة في الحُكم كان شبه محجوز عليه بِالقلعة، في حين إستبدَّ بِأُمور الدولة الأمير علم الدين سنجر الشُجاعي، ثُمَّ الأمير زين الدين كتبغا المنصوري بعد أن تخلَّص من الأوَّل، وما لبث كتبغا أن عزل مُحمَّد بن قلاوون مُتحججًا بِفساد الحال نتيجة تولِّي صبيّ شُؤون الحُكم، وحلَّ مكانه سنة 694هـ المُوافقة لِسنة 1294م.

تشائمت الناسُ من كتبغا وحُكمه كونه جاء مصحوبًا بإنخفاض النيل وإشتداد المجاعة وإرتفاع الأسعار وإنتشار الوباء، ولِأنَّهُ إستقبل في مصر حوالي عشرة آلاف مغوليّ وثنيّ – عُرفوا بإسم «العويراتيَّة» أو «الأويراتيَّة» – فارِّين من الدولة الإلخانيَّة، فإستثار هذا الفعل شُعُور الأهالي وزادت نقمتهم على السُلطان، إستغلَّ أحد الأُمراء الأقوياء، وهو الأمير حُسامُ الدين لاجين بن عبد الله المنصوري، عوامل الكراهيَّة التي أخذت تتجمَّع ضدَّ كتبغا، فخلعهُ من السُلطة وتربَّع على العرش بدلًا منه، لكنَّهُ أساء التصرُّف مع سائر أُمراء المماليك وضيَّق عليهم وأقصاهم عن مناصب الدولة وأحلَّ غيرهم من مماليكه الخاصَّة، فحنقوا عليه وقتلوه وهو في القلعة سنة 698هـ المُوافقة لِسنة 1298م.

لم يوجد بين أُمراء المماليك – عقب مقتل لاجين – شخصيَّة كُبرى تستطيع أن تُسيطر على الموقف وتستأثر بِالسلطنة، فاضطرَّ الأُمراء وسط ذلك الفراغ إلى التفكير في مُحمَّد بن قلاوون الذي ظلَّ دائمًا يبدو في صُورة صاحب الحق الشرعي في السلطنة مُنذُ أن عزله كتبغا، وكان أن إستُحضر مُحمَّد بن قلاوون إلى مصر لِيتولَّى منصب السلطنة لِلمرَّة الثانية، فاستُقبل إستقبالًا حماسيًّا رائعًا من المماليك وعامَّة الناس على حدٍ سواء، وصعد إلى القلعة حيثُ جُدِّدت لهُ البيعة وأخذ يُباشر سُلطانه، بعد أن تلقَّب بِلقب الملك الناصر.

-معركة وادي الخازندار:
سنة 699هـ/1299م وردت إلى القاهرة أنباء عن زحف مغولي على الشام يقوده محمود غازان إلخان مغول فارس فتوجه الناصر إليها، وفي 8 ربيع الأول إصطدم جيش الناصر بجيش غازان المتحالف مع مملكة أرمينيا الصغرى عند حمص في معركة عرفت بإسم معركة وادى الخزندار..إنهزم جنود الناصر وفروا مما أحزنه وأبكاه ودخل المغول دمشق وسيطروا على الشام، وخطب لغازان على منبر دمشق ثم غادر غازان دمشق بعد أن أقام الأمير قبجق نائباً عليها تحت حماية نائبه قطلو شاه عاد جنود الناصر إلى مصر ومعهم عوام من الشام في أسوأ حال، وكان من ضمن الفارين إلى مصر السلطان المخلوع العادل كتبغا الذي عينه السلطان لاجين نائبا على قلعة صرخد، دخل السلطان الناصر قلعة الجبل في 12 ربيع الأول وقد أصابه حزن بالغ وتألم ألماً شديداً لهذه الهزيمة الشنعاء ولكنه بدأ ينظم الجيش ويجهز لأخذ الثأر من المغول .
وخرج قبجق من دمشق متوجهاً إلى مصر، فإستولى الأمير أرجواش على دمشق وأعاد الخطبة بإسم الملك الناصر بعد إنقطاعها مائة يوم .
في أثناء فترة إعداد الجيش وصل إلى القاهرة وفد من غازان بطلب الصلح ووافق الناصر إلا أن طلب غازان للصلح كان، كما يبدو مجرد مناورة منه لكسب الوقت للتعرف على إستعدادات وتحركات السلطان الناصر محمد.

-تحرير جزيرة أرواد وغزو مملكة «قليقية الصغرى» الأرمينية:

بعدما حرر الأشرف خليل ساحل الشام عام 1291 فر بعض فرسان المعبد (الداوية) وبعض الصليبيين إلى جزيرة أرواد القريبة من طرطوس، فتحولت الجزيرة إلى قاعدةٍ صليبيةٍ لشن الهجمات على سفن المسلمين وبؤرة تربص بطرطوس وساحل الشام، أواخر عام 1300 طلب غازان المغولي من أرمن قليقية (مملكة أرمينية الصغرى) وصليبيي جزيرة قبرص القيام بعملية مشتركة ضد المسلمين، فقام الصليبيون في قبرص بشحن مقاتلين من فرسان المعبد والإسبتاريه، وقوات يقودها “أمالريك اوف لوزينان” ابن ملك قبرص هيو الثالث أروادوصلت، وصلت الأنباء إلى القاهرة فقرر الناصر بناء السفن لغزو الجزيرة.
وفي سبتمبر 1302 أبحر الأمير كهرداش من مصر إلى الشام وحاصر أرواد وفتك بالحامية الصليبية وأسر عدداً من فرسان المعبد وفر البقية إلى قبرص، وفي 26 سبتمبر 1302 إستسلمت أرواد آخر جيبٍ للصليبيين في الشام ودقت بشائر النصر في القاهرة، وكان يوم دق البشائر هو اليوم الذي عاد فيه الأمير بكتاش منتصراً على أرمن قيليقية فالأمير بكتاش كان خرج في عدةٍ من الأمراء من بينهم كتبغا إلى مملكة قليقية الأرمنية بسبب تحالفها مع غازان فإنتشرت قوات بكتاش في أرجاء كليكليا وحرقت المحاصيل وأسرت أعداداً من الأرمن وحاصرت عاصمتهم سيس وعاد إلى القاهرة غانماً بينما كانت بشائر تحرير أرواد تدق.

كان طرد الصليبيين من أرواد وتوجيه ضربة لمملكة أرمينيا الصغرى في قيليقية أقصى شمال شرق المتوسط إنتصاراً هاماً للمسلمين على فكرة التحالف الصليبي-الأرميني-المغولي التي كان الصليبيون وأرمن قليقية يسعون بكل كدٍّ لتحقيقه وفي تلك الفترة ذكر أحد المفكرين الصليبيين في كتابه مخاطباً بابا الفاتيكان عن أهمية التعاون مع المغول قائلاً: “هذا هو الوقت المناسب لإستعادة الأرض المقدسة بمساعدة المغول ومن الممكن إحتلال مصر بدون مصاعب أو مخاطر”. ويشرح في فقرة أخرى: “يجب طلب أمرين من ملك المغول: أولاً ألا يسمح بمرور أي شيء عبر مناطقه إلى أراضي الأعداء، و(ثانياً) أن يرسل رجاله ورسله لإشعال حرب في أراضي ملاطية ويدمر ويخرب منطقة حلب، وعندها نقوم نحن الحجاج وقوات قبرص وأرمينيا بغزو أراضي الأعداء بحراً وبراً وعلى قواتنا المسيحية أن تحصن جزيرة أرواد إذ إنها تحتل موقعاً رائعاً لضرب سفن الأعداء وإحداث أضرارٍ جسيمةٍ بهم”.

-معركة شقحب:
في رجب عام 702 هـ / 1303 م قدم البريد إلى القاهرة من حلب بأن غازان على وشك التحرك إلى الشام، فخرج إلى دمشق الأمير بيبرس الجاشنكير على رأس ثلاثة آلاف من الأجناد.. أرسل غازان قائده ونائبه قطلوشاه إلى الشام بجيش قوامه 80 ألف مقاتل ولما عرف قطلوشاه أن الناصر لم يخرج من مصر بعد، وأن ليس بالشام غير العسكر الشامي، توجه تواٌ إلى حماة .

في يوم السبت الموافق 2 رمضان 702 هـ/ 20 أبريل 1303 م، وصل الناصر محمد إلى عقبة شجورا وبينما الأمراء يستقبلونه ويسلمون عليه وصل خبر بأن جيش قطلوشاه قد أقدم، فإرتدى الجنود السلاح وإتفق الأمراء على محاربته بشقحب تحت جبل غباغب ، كان جيش الناصر يضم نحو 200 ألف مقاتل وإصطدم الجيشان وظن البعض أن جيش المسلمين قد هزم بعد أن تجاوز بعض المغول خط ميمنة المسلمين، فإنسحب قطلوشاه إلى جبل قريب وصعد عليه وفي ظنه أنه قد إنتصر وأن قواته تطارد المسلمين، ولكنه أبصر ميسرة السلطان الناصر فتحير فلما سأل أحد الأسرى المسلمين وعلم منه أنه من أمراء مصر أدرك أن السلطان الناصر موجود بجيش مصر في ساحة القتال.. في اليوم الثاني نزل قطلوشاه بمقاتليه فتصدت له المماليك السلطانية وأجبرته على التراجع إلى الجبل وعلم المسلمون أن قوات قطلوشاه تعاني من العطش، فلما نزل المغول في فجر اليوم الثالث وساروا نحو النهر لم يتعرض لهم المسلمون، ثم حصدوهم عندما بلغوا النهر وقاموا بمطاردة الفارين منهم، لم يعبر الفرات مع قطلوشاه من جنوده إلا عدد قليل أرسلت بشائر النصر إلى مصر ففرح الناس .

في 23 شوال عاد الناصر إلى القاهرة عاصمة ملكه التي تزينت له من باب النصر ومعه الأسرى ورءوس المغول، ثم زار قبر أبيه الملك المنصور وصعد إلي قلعة الجبل على الشقق الحرير والأمراء وأمر بإحضار سائر مغاني العرب من كل أنحاء مصر، وأقيمت إحتفالات كبرى في البلاد.

-إنجازات الناصر محمد ورحيله إلى الكرك:
في سنة 703 هـ / 1304 م سير الناصر جنوده من القاهرة إلى كليكيا الأرمنية تحت قيادة الأمير بدر الدين بكتاش وإنضمت إليهم قوات في الشام، فهاجموا الأرمن وحرقوا مزارعهم وأسروا منهم أعداداً، ثم حاصرو قلعة تل حمدون التي تحصن فيها الأرمن وسلمت إليهم بالأمان، في نفس السنة نقل السلطان الناصر أمه من التربة المجاورة للمشهد النفيسي إلى التربة الناصرية بمدرسته التي أكمل بنائها وأضاف مئذنتها في سنة 1303، وأنجبت له زوجته أردكين الأشرفية ولدا سماه علياً، ولقبه بالملك المنصور ، ووفد إلى القاهرة نحو مائتي فارس مغولي بنسائهم وأولادهم وكان من ضمنهم عدة من أقارب غازان وأم سلار فأكرمهم الناصر وأنعم عليهم ببيوت للإقامة وإقطاعا، ثم قدم رسل المغول بكتاب وهدية من محمد خدابنده الذي جلس على عرش المغول بعد وفاة أخيه محمود غازان.
وخاطب الناصر بالأخوة وطلب الصلح وإخماد الفتن وقال في آخر كلامه: “عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه ” فوافق الناصر وأكرم رسله وأرسل إليه هدية.

في سنة 780 هـ / 1309 م أحس الناصر أنه غير قادر على مواجهة سيطرة سلار وبيبرس الجاشنكير عليه وعلى أمور الدولة فأخبرهما بأنه ذاهب إلى مكة للحج ولكنه بدلاً من الذهاب إلى مكة ذهب إلى الكرك وبقي هناك لم يقصد الناصر برحيله إلى الكرك التنازل عن العرش، لكنه كان يدرك أنه لن يتمكن من الحكم كما يحلو له مادام بيبرس وسلار يسيطران على حياته وعلى شئون الدولة، كما كان يدرك أنهما آجلاً أو عاجلاً سيسعيان للتخلص منه إما بالخلع أو بالقتل.
فكانت خطته أن يبتعد عن مصر وعن عيونهما لبعض الوقت فيتمكن بذلك من الإتصال بحرية وبدون مراقبة بأمراء الشام ومؤيديه من أمراء مصر حتى يتمكن بمساعدتهم من التخلص منهما وفرض سيطرته على نفسه وعلى مملكته .

كانت حسبة الناصر صحيحة وتمكن من تنفيذ خطته بنجاح فيما بعد.

عندما رفض الناصر محمد العودة إلى مصر قائلاً أن الكرك: ” من بعض قلاعي وملكي، وقد عولت على الإقامة بها “، عرض الأمراء السلطنة على الأمير سلار فقال لهم : ” والله أنا ما أصلح للملك، ولا يصلح له إلا أخى هذا “، وأشار إلى بيببرس الجاشنكير فهتف البرجية: ” صدق الأمير ” فوافق الأمراء ونصب بيبرس سلطاناً على البلاد بلقب الملك المظفر ومعه الأمير سلار نائباً للسلطنة وأقام ” بيبرس الجاشنكير ” الناصر محمد على نيابة الكرك وكتب إليه قائلاً : ” أنى أجبت سؤالك فيما إخترته، وقد حكم الأمراء علي فلم تمكن مخالفتهم، وأنا نائبك ” .

كانت مدة الملك الناصر في السلطنة الثانية، عشر سنين وأياماً .

-الفترة الثالثة:

كان وجود الملك الناصر في الكرك وتحركاته تقلق السلطان بيبرس الجاشنكير فتحجج بحاجته للمال بسبب إمكانية مهاجمة خربندا ملك المغول للشام وطلب منه إرسال كل الأموال والخيول التي أخذها معه من مصر وكل الأموال التي إستولى عليها من حاصل الكرك بالإضافة إلى كافة المماليك بإستثناء عشرة مماليك لخدمته وهدده بأنه إن لم يفعل ذلك ” خرجت إليه العساكر حتى تخرب الكرك عليه “، فأرسل الناصر إليه نصف المال المطلوب مع رسالة شفهية تعتذر عن عدم إمكانية إرسال كل المطلوب فقنع بيبرس الجاشنكير بذلك.

إلا أن الأمور لم تستقم لبيبرس الجاشنكير الذي لم يكن محبوبا عند المصريين بسبب سوء الأحوال الإقتصادية والسياسية في البلاد، ففي عهده عم الوباء وإنخفض منسوب مياه النيل وإرتفعت الأسعار، فراح الناس يطالبون بعودة الناصر محمد ويهزءون من بيبرس ونائبه سلار ويغنون : ” سلطاننا ركين ونائبنا دقين، يجينا الماء منين جيبوا لنا الأعرج، يجى الما ويدحرج” .

مع مرور الوقت زاد إضطراب بيبرس الجاشنكير وأصبح أمر الملك الناصر يؤرقه وينغص عليه، فنصحه أمراءه بالقبض عليه، إلا أنه خشى عاقبة إقدامه على فعل ذلك، لكنه أرسل إليه الأمير مغلطاي لياخذ منه الخيل والمماليك، فغضب الملك الناصر وقال له : ” أنا خليت ملك مصر والشام لبيبرس، وما يكفيه حتى ضاقت عينه على فرس عندى أو مملوك لى، ويكرر الطلب ؟ ارجع اليه، وقل له والله لئن لم يتركنى والا دخلت بلاد التتر، وأعلمتهم أنى قد تركت ملك أبى وأخى وملكى لمملوكى، وهو يتبعنى ويطلب منى ما أخذته” فلما رد عليه مغلطاي بقلة احترام صاح به : ” ويلك! وصلنا إلى هنا؟” وأمر بجره ورميه من سور القلعة، لكنه عفا عنه وإكتفى بحبسه بعد أن شفع فيه الأمير أرغون الدوادار، ثم طرده.

كتب الناصر رسائل إلى بعض نواب الشام ومؤيديه من أمراء مصر يستعطفهم ويثيرهم على بيبيرس الجاشنكير فشرح لهم أنه ترك مصر بسبب ضيق اليد والتدخل في شئونه وأن الملك المظفر يضايقه من حين لأخر بمطالبته بالمال والخيل والمماليك وقال لهم: ” أنتم مماليك أبي وربيتموني فإما تردوه عني إلا أسير إلى بلاد التتار” وتعاطف بعض الأمراء مع الناصر محمد وأعلنوا عن تأييدهم له وأرسل الأمير بهادرآص من دمشق إلى بيبرس يعلمه أن نواب الشام قد مالوا إلى الناصر وأن عليه الخروج إلى الشام. فأجاب بيبرس بأنه لا يخرج لأنه يكره الفتنة وسفك الدماء وأن الخليفة قد كتب بولايته وعزل الملك الناصر، فإما أن يرضى النواب بذلك أو يتنحى.

-عودة الناصر محمد:
دخل الملك الناصر دمشق في شهر شعبان بتأييد غالبية الأمراء وزينت الشوارع وفرح الناس بقدومه وكثر الدعاء له وفي يوم الجمعة 12 شعبان احتشد الناس في الميدان للصلاة وخطب له فلما وصلت الأنباء إلى القاهرة إستدعى بيبرس الجاشنكير كل الأمراء وإستشارهم، فنصحه بيبرس الدوادار وبهادر آص بخلع نفسه والذهاب إلى الناصر ليستعطفه فوافق وأرسل بيبرس الدوادار إلى الناصر، لكنه أصيب بإضطراب في آخر النهار فدخل الخزائن وأخذ ما إستطاع من المال والخيل والهجن وفر مع مماليكه فلحقت بهم العامة وراحت تسبهم وتلقيهم بالحجارة إلى أن تمكنوا من الفرار وفي صباح اليوم التالي أمر سلار حراس قلعة الجبل بالهتاف بإسم الملك الناصر، وفي يوم الجمعة خطب على منابر مصر بإسمه وأسقط إسم الملك المظفر.

في أول أيام شهر شوال وصل الناصر إلى القاهرة وصلى صلاة العيد بالدهليز، وفي اليوم التالي جلس على تخت الملك للمرة الثالثة. في فترة حكمه الأولى كان الناصر دمية في أيدى العادل كتبغا والشجاعي، وفي الفترة الثانية، مع أنه كبر وأصبحت له أعمال يعتز بها، إلا أنه عاش محجوراً عليه عن طريق بيبرس الجاشنكير وسلار اللذان كانا يمارسان السلطان الفعلي ويتحكمان في معاشه. أما هذه المرة فقد عاد إلى مصر وقد جاوز سن الطفولة وأصبح في الخامسة والعشرين، وقد صقلته الأحداث وحنكته التجارب. عاد الناصر إلي تخت السلطنة هذه المرة عازماً على الانتقام لنفسه ممن أساءوا إليه ومصمماً على ألا يترك أحداً يستصغره أو يتآمر عليه.

-الإنتقام من بيبرس الجاشنكير وسلار:
بدأ الناصر ولايته الثالثة بالقبض على عدد من الأمراء وحبسهم بالإسكندرية، وأفرج عن بعض المساجين والأمراء، كان من ضمنهم شيخ الإسلام ابن تيمية والأقوش المنصوري قاتل سنجر الشجاعي. كما جرد عدداً من الأمراء إلى دمشق، وأمر اثنين وثلاثين من مماليكه. ثم بدأ يجهز للانتقام من بيبرس الجاشنكير وسلار.

طلب بيبرس الجاشنكير الأمان من الناصر، ورد الأموال التي كان قد نهبها قبل فراره من القلعة، وقد سلمها بيبرس الدوادار إلى الملك الناصر . إلا أن الناصر أمر بالقبض عليه. رفض بيبرس مقاتلة الرجال الذين أرسلهم الناصر للقبض عليه وقام بتسليم نفسه عند غزة للأمير أسمندر كرجي، فقام بنقله مقيداً إلى الناصر في قلعة الجبل. فلما مثل بين يدي الناصر عنفه الناصر وراح يذكره بما فعل به، وبعد أن عدد له اساءاته ختم كلامه قائلاُ: ” ويلك وزدت في أمري حتى منعتني شهوة نفسي “. فقال بيبرس : ” يامولانا السلطان كل ماقلت فعلته، ولم تبق إلا مراحم السلطان “. فقال له الناصر: ” يا ركن الدين أنا اليوم أستاذك، وأمس تقول لما طلبت أوز مشوي إيش يعمل بالأوز، الأكل هو عشرون مرة في النهار “، وأمر بإعدامه فخنق ودفن خلف القلعة .

أما سلار فقد طلب من الناصر محمد أن يعفيه من نيابة السلطنة وأن يعينه حاكماً على الشوبك، فاستجاب الناصر مؤقتاً، وعين الأمير بكتمر نائباً للسلطنة بدلاً منه، وسافر سلار إلى الشوبك وظن أن الناصر قد عفا عنه. إلا أن بعد مرور بعض الوقت، استدعاه الناصر إلى القاهرة وأمر بحبسه وصودرت أملاكه وممتلكاته، وكان سلار من أغنى الأمراء محباً لجمع المال، فقد بلغت ثروته المصادرة أكثر من خمسين حملاً من الذهب والفضة والجواهر واللجم المفضضة والأقمشة المزركشة وغير ذلك. ومات سلار بالسجن ودفن في التربة التي كان قد أنشأها بالقرب من جامع ابن طولون .

في عام 1310 تآمر نائب السلطنة بكتمر الجوكندار والأمير بتخاص المنصوري مع المماليك المظفرية على الإطاحة بالناصر محمد وتنصيب الأمير موسى بن الصالح علي بن السلطان قلاوون سلطاناً على البلاد. وقد وافق موسى على الخطة ولكن المؤامرة وصلت إلى علم الناصر محمد بعد أن وشى بهم بيبرس الجمدار أحد المماليك المظفرية، وقبض على موسى وبتخاص ، وأمهل بكتمر الجكندار سنة ثم قبض عليه بتهمة محاولة الاستيلاء على الحكم، وأحل محله الأمير بيبرس الدوادار في نيابة السلطنة .

أصبح للناصر محمد خبرة طويلة مع الأمراء وألاعيبهم جعلته دائماً متيقظ ومترقب وشاك في كل صغيرة وكبيرة تصدر عنهم أو عن غيرهم، فكان إذا رأى بادرة خروج أو تمرد قضى عليها في الحال ، لدرجة أنه في عام 738 هـ م / 1338 م نفى الخليفة ” المستكفي با لله ” ذاته إلى قوص بحجة استخدامه عبارة ” يحضر أو يوكل ” (أي الناصر) في مستند دعوى شرعية أقامها شخص ضد الناصر وكان الناصر لا يحب هذا الخليفة لمساندته لبيبرس الجاشنكير وتقليده السلطنة من قبل . ويذكر المقريزي أن الناصر :”كان فيه تؤدة، فإذا غضب على أحد من أمرائه أو كتابة أسر ذلك في نفسه، وتروى فيه مدة طويلة، وهو ينتظر له ذنباً يأخذه”. ويضيف : “حتى لا ينسب إلى ظلم ولا حيف، فإنه كان يعظم عليه أن يذكر عنه أنه ظالم أو جائر أو فيه حيف”.
استمرَّ حُكم الناصر مُحمَّد في تلك المرَّة الثالثة إحدى وثلاثين سنة، هي مُدَّة طويلة لم يُدانيه فيها سُلطانٌ آخر من سلاطين المماليك. ويُمثِّلُ عصره بالذَّات أعظم عُصُور التاريخ المملوكي، وأكثرها ازدهارًا ورُقيًّا واستقرارًا. ذلك أنَّ نُفُوذ الناصر مُحمَّد امتدَّ من برقة غربًا حتَّى الشَّام والحجاز وجنوب العراق شرقًا، ومن النوبة جنوبًا حتَّى الأناضول شمالًا، وخطب ودَّهُ سلاطين المغرب ودعوا له، حتَّى قيل أنَّهُ «لم ينل من أبناء المُلُوك قاطبةً مُلك مصر أعظم من الملك الناصر مُحمَّد». وقد أرسل السُلطان الناصر مُحمَّد حملتين إلى النوبة في سلطنته الثالثة، وذلك ما بين سنتيّ 715 و716هـ المُوافقة لِما بين سنتيّ 1315 و1316م، ففتحها وأقام عليها أوَّل ملكٍ مُسلمٍ من أهلها هو عبدُ الله برشنبو، فأخذت تلك البلاد تفقد صفتها المسيحيَّة تدريجيًّا مُنذُ ذلك الوقت لِتتخذ طابعًا عربيًّا إسلاميًّا. أمَّا في الداخل، فقد كان عهد الناصر مُحمَّد عهد رخاءٍ واستقرار، فأقام الناصر كثيرًا من المُنشآت مثل المساجد والقناطر والجُسُور والمُستشفيات والمدارس، حتَّى بلغ مصروف العمارة في كُل يومٍ من أيَّامه سبعة آلاف درهم فضَّة. وفي تلك الفترة زار الرحَّالة والجُغرافي المغربي ابن بطُّوطة مصر، فأُعجب إعجابًا شديدًا بِمظاهر الحضارة والعُمران في القاهرة، وأشاد بِسيرة الناصر مُحمَّد وفضله وازدهار حُكمه.
توفي السلطان الناصر محمد سنة 741هـ المُوافق فيه سنة 1340م لينتهي عصر الازدهار الحقيقي لدولة المماليك البحرية، وكان هذا إيذاناً بإقتراب النهاية الحتمية لبيت قلاوون في حكم مصر.

كتب:مصطفي خالد

زر الذهاب إلى الأعلى