من فات قديمه

الدولة المملوكية..10

المماليك وبنى عثمان

ظهرت إمارة فى غرب منطقة الأناضول تحت حكم قبيلة تركية هربت من موطنها فى بلاد الترك بسبب الزحف المغولى على بلاد الإسلام، وكانت هذة القبيلة تحت زعامة أرطغرل الذى استطاع أن يستوطن مع قبيلته منطقة غرب الأناضول، ثم أعلن إبنه عثمان قيام دولته على أنقاض دولة سلاجقة الروم، لكى يتحول منصب الزعامة القبلية إلى منصب سلطنة، ورثها العشرات من أبناء وأحفاد عثمان.

ولم يعلم أحد أن دولة بنى عثمان سيكون لها موعداً مع السيادة على معظم بلاد المسلمين.
إمتازت العلاقات العُثمانيَّة المملوكيَّة بِالود والتقارب الشديدين، مُنذُ أن قامت الدولة العُثمانيَّة وأخذت على عاتقها فتح بلاد البلقان ونشر الإسلام فى رُبُوعها، وخطب السلاطين العُثمانيين ودَّ السلاطين المماليك باعتبارهم زُعماء العالم الإسلامى والقائمين على حماية الخِلافة الإسلاميَّة، واعترفوا لهم بِالأولويَّة السياسيَّة والدينيَّة، بينما خطَّطوا لِأنفُسهم دورًا مُتواضعًا هو دور البكوات حُماة حُدود ديار الإسلام.
هذا وقد ظلَّ المماليك ينظرون إلى تحرُّكات العُثمانيين الجهاديَّة كجُزءٍ من المسألة الإسلاميَّة العامَّة. ولمَّا فتح العُثمانيُّون القُسطنطينيَّة سنة 857هـ المُوافقة لِسنة 1453م، اعتبر المماليك ذلك نصرًا عظيمًا لِعامَّة المُسلمين، واحتُفل فى القاهرة بِهذا الحدث الجلل احتفالًا رائعًا، فزُينت الأسواق والحارات، وأوقدت الشُمُوع فى الشوارع والمآذن، ودُقَّت البشائر السُلطانيَّة فى قلعة الجبل عدَّة أيَّام، وعمَّ السُكَّان الفرح.
شكَّل فتحُ القُسطنطينيَّة الحد النهائى لِلعلاقات الوديَّة بين المماليك والعُثمانيين، فعند ذلك طُويت صفحة العلاقات الجيِّدة بين الدولتين وفُتحت صفحة جديدة سادها العداء بِفعل تصادم المصالح، لا سيَّما بعد أن أوقف العُثمانيُّون فُتُوحاتهم فى شبه جزيرة البلقان، وتحوَّلوا إلى آسيا الصُغرى لاستكمال ضمِّها إلى مُمتلكاتهم فى سبيل تسهيل تمويل حملاتهم الذاهبة إلى إيران لِمُحاربة الصفويين الذين كانوا قد فرضوا التشيُّع على الإيرانيين وأخذوا يُحاولون التمدد نحو الأناضول والعراق لِنشر مذهبهم. ونتيجةً لِضم العُثمانيين لِلجزيرة الفُراتيَّة، فُتح الباب أمامهم لِلتمدُّد باتجاه الأراضى العربيَّة لِتأمين خُطُوط استراتيجيَّة جديدة فى الشَّام والعراق تصل إلى المُحيط الهندى ويرتبط بِهذه القاعدة ضم الأراضى المملوكيَّة، وموانئ قيليقية، لِأنَّ من شأن ذلك أن يُوفِّر لهم طريقًا بحريًّا يُسهِّل عليهم تمويل حملاتهم سالِفة الذِكر.

جرت بين العُثمانيين والمماليك بضعة وقعات ما بين سنتيى 888 و896هـ المُوافقة لِما بين سنتى 1483 و1491م نتيجة الخِلافات الحُدوديَّة، وانتهت بِعقد اتفاقيَّة سلام بين الدولتين بِوساطة السُلطان الحفصى أبى يحيى زكريَّا بن يحيى، إلَّا أنَّ بُرُوز القُوَّة الصفويَّة الشيعيَّة على المسرح السياسي فى أوائل القرن السادس عشر الميلادى، جعل العلاقة بين العُثمانيين والمماليك تدخل فى طورٍ جديد. ففي سنة 913هـ المُوافقة لِسنة 1507م هاجم الشاه إسماعيل بن حيدر الصفوى مناطق الحُدود الشماليَّة الشرقيَّة الفاصلة بين دولته وبين دولة المماليك، مُستغلًا الظُروف الأقتصاديَّة الصعبة التى كانت مصر والشَّام تمُرُّ بها آنذاك، فهاجم ملطيَّة لكنه فشل فى احتلالها، وفى سنة 918هـ المُوافقة لِسنة 1512م عاود الصفويُّون الكرَّة على المماليك، فدخلوا حُدود دولتهم حتَّى وصلوا إلى البيرة، ورفض الشاه إسماعيل الدُخُول فى مُفاوضات مع السُلطان المملوكى من أجل تبريد الجبهة، وحصل فى تلك الفترة أن تُوفى السُلطان العُثماني بايزيد الثانى – الذى لم يُقدِّر خُطورة أطماع الصفويين – واعتلى ابنه سليم العرش، الذى كان واعيًا ومُدركًا لِلخطر الصفوى، وقد عقد العزم على استئصال هذا الخطر قبل أن يستفحل.

كان السُلطان المملوكي آنذاك هو قنصوه الغوري، فلمَّا بلغه خبر وفاة بايزيد الثاني حزن حُزنًا شديدًا وبكى عليه، ثُمَّ صلَّى عليه صلاة الغائب فى القلعة، كما صلَّى الناس عليه بعد صلاة الجُمُعة فى الجامع الأزهر وجامع أحمد بن طولون.
نهاية دولة المماليك:
كان كُل انتصار يُحققه العُثمانيُّون على الصفويين، يُعنى هزيمةً قاسيةً لِلمماليك، ويُؤدى إلى الإنتقاص من هيبتهم بِصفتهم سلاطين المُسلمين وحُماة الخِلافة، كما أنَّ تهديد الصفويين لِكليهما لم يُخفف مُطلقًا من التناقُضات بينهما، فتصرَّفت كُل دولة بِمعزلٍ عن الأُخرى.
وفى 2 رجب 920هـ المُوافق فيه 23 أغسطس 1514م انتصر العُثمانيُّون على الصفويُّون فى معركة چالديران وردُّوهم على أعقابهم إلى إيران، فكانت تلك مُفاجأة غير مُتوقعة لِلمماليك، فلم يبتهجوا لِهذا الأنتصار، وخاب أمل السُلطان قنصوه الغوري الذى كان يود أن يقوم بِدور الوسيط بين العُثمانيين والصفويين لِيُوجِّه السياسات العامَّة فى المنطقة لِصالح الحُكم المملوكى.

وكان السُلطان الغوري يُدرك تمامًا أنَّ المُنتصر من الجانبين سيعمل على تصفية الموقف فى المشرق العربى بِالإصطدام بِالمماليك، ومن ثُمَّ كان عليه أن يتخذ موقفًا من التطوُّرات السياسيَّة والعسكريَّة السريعة، فرأى أن يلتزم الحياد تاركًا الدولة العُثمانيَّة وحيدة فى مُواجهة الصفويين دون تبصُّرٍ بنتائج ما قد يقوم به الشاه إسماعيل فى حال انتصاره من أعمالٍ عُدوانيَّةٍ مُتزايدةٍ ضدَّ المماليك ،وحاول السُلطان سليم استقطاب الغوري إلى جانبه، فأرسل بعثةً عُثمانيَّةً إلى القاهرة وصلتها فى شهر ربيع الآخر سنة 920هـ المُوافق فيه شهر مايو سنة 1514م، حاملةً إقتراحًا بِعقد تحالف بين العُثمانيين والمماليك لِمُحاربة الصفويين، لكنَّ المماليك رفضوا الإقتراح وتمسَّكوا بِسياستهم، مع تفضيل إتخاذ موقف الانتظار.
اعتبر العُثمانيُّون سياسة المماليك هذة مظهرًا من مظاهر العداوة، وأخذوا يعتبرونهم العدو الرئيسي، وسعى السُلطان سليم لِإيجاد سببٍ لِفتح باب الحرب مع الدولة المملوكيَّة والقضاء عليها، ومُواجهة الخطر الپُرتُغالي المُتزايد فى البحار الإسلاميَّة كذلك، فبادر السُلطان سليم إلى الاستيلاء على إمارة ذى القدر التُركمانيَّة الأناضوليَّة المشمولة بِحماية المماليك، والتى تقع على الحدود بين الدولتين المملوكيَّة، والعُثمانيَّة.
بِالمُقابل، أزعج ضم سليم الأوَّل إمارة ذى القدر، قنصوه الغوري، فاعتبر تصرُّفهُ هذا بِمثابة إعلانٍ لِلحرب، وقرَّر أن يستعيد هيبته فى المنطقة، فنادى بالتعبئة العامَّة، لكنَّهُ قوبل بِعرقلة الناس فى مصر لِتدابير التعبئة هذة بسبب تقاعس عدد كبير من الأمراء.

أمَّا فى الشَّام فقد أخذت المناطق الشماليَّة تخرج عن طاعة المماليك، وخان إثنان من الأمراء السلطان الغوري، هما جان بردي الغزالي وخاير بك مع العُثمانيين وأقاموا العلاقات السريَّة معهم.
نتيجةً لِهذه العوامل أيقن السُلطان الغوري أنَّهُ غير مُستعد لِخوض غمار حربٍ كبيرة ضدَّ العُثمانيين، لكنَّ إصرار السُلطان سليم على الحرب جعل السلطان الغوري يُحاول التحالف مع الصفويين ضدَّ العدو المُشترك،وما أن بلغت أخبار هذه المُحاولة مسامع السُلطان سليم حتَّى اعتبر أنَّ الغوري طعن الدولة العُثمانيَّة وأهل السُنَّة والجماعة من الخلف، فأعلنهُ بِالحرب مُتهمًا إيَّاه بِخيانة العالم الإسلامي.
خرج السُلطان قنصوه الغوري من مصر إلى الشَّام لِلقاء العُثمانيين والحيلولة دون سيطرتهم على البلاد، فالتقى الجمعان عند مرج دابق شماليّ حلب، حيثُ دارت بينهما معركةٌ هائلة فى 25 رجب 922هـ المُوافق فيه 8 أغسطس 1516م، أفضت إلى هزيمة المماليك، وانتصار العُثمانيين، ومقتل السُلطان الغوري نفسه ،وعمَّت الفوضى في صُفوف الجيش المملوكي، ولاذ أغلب الجيش بِالفرار إلى مصر.

استثمر السُلطان سليم انتصاره هذا وضمَّ عينتاب وحلب وحماة وحِمص ودمشق وبيت المقدس وغيرها،انتخب المماليك – بعد مقتل قنصوه الغوري – الأمير( طومان باي )سلطاناً على مصر وتلقب بالأشرف، فعرض عليه السُلطان سليم مُجددًا أن يعترف المماليك بِسيادة العُثمانيين، ودفع خراج سنوي لهم، فأبى السلطان الأشرف طومان باي، فبرز إليه سليم، فانهزم طومان باي على حُدُود الشَّام الجنوبيَّة وانسحب بسُرعةٍ إلى مصر، فتتبعه السُلطان سليم حتَّى مدينة القاهرة ،اتخذ المماليك رباطهم الأخير فى قرية الريدانيَّة، وهى قريةٌ صغيرة تقع على الطريق المُؤدية إلى القاهرة، وفى 29 ذى الحجة 922هـ المُوافق فيه 22 يناير 1517م، دارت بين الجيشان معركة هائلة انتصر فيها العُثمانيون بِرُغم الدفاع المُستميت لِلمماليك، فلجأ السلطان طومان باي إلى الشعب المصرى، وكان معروفاً بإلتفاف المصريون حوله، فبدأ بمحاربة الجيش العثماني عن طريق حروب العصابات داخل أسوار القاهرة وإنهاك الجيش العثماني، إلى أن أشار العديد من أتباعه أن يذهب إلى الحسن بن مرعي زعيم العربان فى منطقة البحيرة، إلا أن قوبل السلطان طومان باي بالخيانة من زعيم العربان بن مرعي، وباع رأس طومان باي إلى السلطان سليم. فسُجِن طومان باي بضعة أيام حتى أمر السلطان سليم بِإعدامه، وفي يوم الاثنين 21 ربيع الأول سنة 923 هـ الموافق 23 أبريل 1517 م أمر السلطان سليم بأن يعبروا بطومان باي إلى القاهرة، فعبروا به إلى بولاق وشقوا به القاهرة حتى وصلوا إلى باب زويلة، ورأى الحبال فعلم أنه مشنوق فتشهد وقرأ الفاتحة ثلاثا، وشُنق أمام الناس، وضج الناس عليه بالبكاء والعويل، وبقى مصلوباً ثلاثة أيام ثم أنزل ودفن خلف مدرسة الغوري.
ويصف ابن إياس ذلك وهو شاهد عيان على ماحدث بقوله:
وكان الناس فى القاهرة قد خرجوا ليلقوا نظرة الوداع على سلطان مصر..وتطلع طومان باي إلى (قبو البوابة) فرأى حبلاً يتدلى، فأدرك أن نهايته قد حانت.. فترجل،وتقدم نحو الباب بخطى ثابتة ثم توقف وتلفت إلى الناس الذين احتشدوا من حول باب زويلة.. وتطلع إليهم طويلاً.. وطلب من الجميع أن يقرؤوا له الفاتحة ثلاث مرات.. ثم التفت إلى الجلاد، وطلب منه أن يقوم بمهمته. فلما شُنق وطلعت روحه صرخت عليه الناس صرخة عظيمة، وكثر عليه الحزن والأسف فإنه كان شاباً حسن الشكل كريم الأخلاق، سنه نحو أربع وأربعون سنة، وكان شجاعاً بطلاً تصدى لقتال ابن عثمان، وفتك فى عسكرهم وقتل منهم ما لا يحصى، وكسرهم ثلاث مرات وهو فى نفر قليل من عساكره.
وبِمقتل طومان باي سقطت الدولة المملوكيَّة، وأصبحت الديار المصريَّة والشَّاميَّة جُزءًا من الدولة العُثمانيَّة.

وفيما كان السُلطان سليم في القاهرة، بايعهُ عُلماء الديار المصريَّة بِالخلافة الإسلاميَّة بالإجبار بعد أن تنازل له عنها آخر خُلفاء بنى العبَّاس مُحمَّد بن يعقوب المُتوكِّل على الله بالإجبار أيضاً ليكون الخلافة وللمرة الأولى لشخص ليس من بنى العباس وليس من بنى هاشم بشكل عام وليس من العرب أيضاً، وقدَّم إليه شريف مكَّة مفاتيح الحرمين الشريفين كرمزٍ لِدُخول الحجاز تحت جناح الدولة العُثمانيَّة،

وقد قام المُؤرِّخ والشَّاعر ابن إيَّاس برثاء الدولة المملوكيَّة فى قصيدةٍ طويلةٍ جاء فى مطلعها:
نُوحوا على مصر لأمرٍ قد جرى من حادثٍ عمَّت مُصيبتهُ الورى
زالتْ عساكِرُها مِن الأتراك فى غمض العُيُون كأنَّها سنة الكرى
اللهُ أكبر.. إنَّها لَمصيبةٌ وقعَتْ بِمصر ما لها مثل يُرى
لهفي على عيشٍ بمصر قد خلَتْ أيَّامه كالحلمِ ولَّى مُدبرا

وهذه قائمة بسلاطين دولة المماليك البُرجيَّة:

  • الظاهر سيف الدين برقوق بن أنس بن عبد الله اليلبغاوي
  • الناصر ناصر الدين فرج بن برقوق (فترة أولى)
  • المنصور عز الدين عبد العزيز بن برقوق
  • الناصر ناصر الدين فرج بن برقوق (فترة ثانية)
  • أمير المؤمنين أبو الفضل العباس بن محمد المستعين بالله العباسى
  • المؤيد سيف الدين شيخ المحمودي
  • المظفر شهاب الدين أحمد بن الشيخ المحمودي
  • الظاهر سيف الدين ططر
  • الناصر ناصر الدين محمد بن ططر
  • الأشرف سيف الدين برسباي
  • العزيز جمال الدين يوسف بن برسباي
  • الظاهر سيف الدين جقمق
  • المنصور فخر الدين عثمان بن جقمق
  • الأشرف سيف الدين إينال العلائي
  • المؤيد شهاب الدين أحمد بن إينال
  • الظاهر سيف الدين خشقدم بن عبد الله الناصري المؤيدي
  • الظاهر سيف الدين بلباي  الإينالي المؤيدي
  • الظاهر تمربغا الرومي
  • الأشرف سيف الدين قايتباي المحمودي الأشرفي
  • الناصر ناصر الدين محمد بن قايتباي
  • الظاهر قنصوة الأشرفي
  • الأشرف جانبلاط
  • العادل سيف الدين طومان باي
  • الأشرف قنصوة الغوري
  • الأشرف طومان باي

وعددهم ٢٤ سلطاناً

كتب – مصطفى خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى