من فات قديمه

الدولة الطولونية

مصر قبل إبن طولون

الدَّولةُ الطُّولُونِيَّة أو الإِمَارَةُ الطُّولُونِيَّة أو دَوْلَةُ بَنِي طُولُون، وتُعرفُ اختصارًا وفي الخِطاب الشعبي باسم الطولونيُّون، هي إمارة إسلاميَّة أسَّسها أحمد بن طولون التغزغزي التُركي في مصر، وتمدَّدت لاحقًا باتجاه الشَّام، لِتكون بِذلك أول دُويلة تنفصل سياسيًّا عن الدولة العبَّاسيَّة وتتفرَّد سُلالتها بِحُكم الديار المصريَّة والشَّاميَّة. قامت الدولة الطُولونيَّة خِلال زمن تعاظم قُوَّة التُرك في الدولة العبَّاسيَّة وسيطرة الحرس التُركي على مقاليد الأُمور، وهو ذاته العصر الذي كان يشهد نُموًا في النزعة الشُعوبيَّة وتغلُّب نزعة الانفصال على شُعوب ووُلاة الدولة مُترامية الأطراف، فكان قيام الدولة الطولونيَّة إحدى النتائج الحتميَّة لِتنامي هذا الفكر. واليوم سيأخذكم آدم في رحلة جديدة عبر التاريخ الإسلامي لنرى كيف كانت هذه الدولة، وكيف قامت وماهي الظروف التي كانت مصر عليها قبل قيامها.

أوضاع مصر الداخليَّة قُبيل قيام الإمارة الطولونيَّة:
نشطت الدعوة العلويَّة في مصر مُنذُ أيَّام أبي جعفر عبد الله بن محمد المنصور (136 – 158هـ \ 753 – 775م) واستمرَّت طيلة العصر العبَّاسي الأوَّل، وما حدث من اضطهاد العبَّاسيين للعلويين في المشرق الإسلامي، أجبرهم على الفرار إلى الجهات البعيدة عن مقر الخلافة العبَّاسيَّة، ومنها مصر.
وسببُ الخلاف الشديد بين العلويين والعبَّاسيين هو بطبيعة الحال أنَّ العلويين اعتقدوا بأنَّ العبَّاسيين مُغتصبين للسُلطة مثل الأُمويين، على الرُغم من أنَّ بني العبَّاس من آل البيت، الذين اعتقد العلويين بِأحقيتهم بالخِلافة.
ويبدو أنَّ الخُلفاء العبَّاسيين بعد أبي جعفر لم يتعرَّضوا للعلويين في مصر، ولعلَّ مردُ ذلك يعود إلى إخلادهم إلى الهُدوء من جهة ومُحاولة هؤلاء استقطابهم من جهةٍ أُخرى، وبقي الوضع على ذلك حتَّى اعتلاء المُتوكِّل سُدَّة الخِلافة، وهو الذي أبغض العلويين؛ فأرسل كتابًا إلى والي مصر إسحاق بن يحيى يأمُره بِإخراج آل عليّ بن أبي طالب منها، فأُخرجوا من الفسطاط في شهر رجب سنة 236هـ المُوافق فيه شهر يناير سنة 851م، إلى العراق ومن هُناك أُبعدوا إلى المدينة المُنوَّرة، واضطرَّ الذين بقوا في مصر إلى الاختفاء بِفعل أنهم أصبحوا غير آمنين على أنفُسهم، واستأصل خلفه يزيد بن عبد الله شأفة هؤلاء وحمل منهم جماعة إلى العراق على أقبح وجه.
وأقرَّ الخليفة المُنتصر يزيد بن عبد الله على ولايته بِمصر، وأمرهُ بألَّا يُقبِّل – يلتزم – علويّ ضيعة، ولا يركب فرسًا، ولا يُسافر من الفسطاط إلى طرفٍ من أطرافها، وأن يُمنعوا من اتخاذ العبيد إلَّا العبد الواحد، وإن كانت بينه وبين أحدٍ من الطالبيين خُصومةٌ من سائر الناس، قُبل قول خصمه فيه ولم يُطالب بِبيِّنة.

اضطربت أوضاعُ مصر على أثر خلع الخليفة أبو العبَّاس أحمد المُستعين بالله في شهر مُحرَّم سنة 252هـ المُوافق فيه شهر ديسمبر سنة 856م، ومُبايعة الخليفة المُعتز وذلك بِفعل اضطراب الوضع في بغداد، وكانت فُرصةً للطامحين لِلقيام ضدَّ الحُكم العبَّاسي.
فقد ثار جابر بن الوليد المدلجي في الإسكندريَّة في ربيع الآخر 252هـ المُوافق فيه مارس 866م، فاشتدَّ أمره وقويت شوكته وبسط نُفوذه على منطقة واسعة في الدلتا، وجبى خراجها، ولم يستطع والي مصر يزيد بن عبد الله أن يقضي على حركته، فأرسل الخليفة المُعتز قُوَّةً عسكريَّةً بِقيادة مزاحم بن خاقان تمكَّنت من هزيمته، وقبض مزاحم عليه، فكافأهُ الخليفة بأن عيَّنهُ واليًا على مصر بدلًا من يزيد بن عبد الله وذلك في ربيع الأوَّل سنة 253هـ المُوافق فيه مارس 867م.
وعلى هذا الشكل تتابعت الحركات العلويَّة في مصر مُنذُ عهد الخليفة العبَّاسي المُتوكِّل بِهدف القضاء على الحُكم العبَّاسي فيها وتأسيس دولة علويَّة في رُبوعها، وكان الذي شجَّعهم على الخُروج الأوضاع المُضطربة في المشرق الإسلامي بِعامَّة، حيثُ قامت الإمارات الانفصاليَّة، وفي بغداد بِخاصَّة حيثُ الصراع على النُفوذ بين الخِلافة والتُرك، وظلَّ الوضع على هذا الحال إلى أن جاء أحمد بن طولون إلى مصر وأسس إمارته.

ظُهور أحمد بن طولون:
ترجعُ أُصول أحمد بن طولون إلى قبيلة التغزغز التُركيَّة، وتحديدًا إلى أُسرةٍ كانت تُقيمُ في بُخارى.
كان والدهُ «طولون» الذي نُسبت إليه الدولة التي أسسها أحمد لاحقًا، كان مملوكًا جيء به إلى نوح بن أسد الساماني عامل بُخارى وخُراسان، فأرسلهُ بِدوره هديَّةً إلى الخليفة المأمون مع من أُرسل من المماليك التُرك في سنة 200هـ المُوافقة لِسنة 816م.
أُعجب الخليفة المأمون كثيرًا بهذا المملوك التُركي الذي ظهر عليه علامات النجابة والإخلاص، فحظي عنده، وازدادت مكانته لديه، فأسند إليه وظائف عدَّة نجح في إدارتها بِشكلٍ لافت، فعيَّنهُ رئيسًا للحرس، ولقَّبهُ بِأمير الستر، واستمرَّ مُدَّة عشرين سنة يشغل هذا المنصب الهام.
أنجب طولون عددًا من الأبناء من بينهم أحمد الذي يُكنى بِأبي العبَّاس، الذي وُلد في 23 رمضان 220هـ المُوافق فيه 22 أغسطس 835م في بغداد من جاريةٍ تُدعى «قاسم»، ونشأ في كنف والده ورعايته مُختلفًا عن نشأة أقرانه أولاد العجم، فحرص على الابتعاد عن جو التُرك العابثين والآثمين، وكان يعيبُ عليهم ما يرتكبوه من مُنكرات، فاشتهر بين معارفه بالتقوى والصلاح، وبنفس الوقت بالشدَّة والقُوَّة والبأس نظرًا لِتربيته العسكريَّة.
ويبدو أنَّ الحاجة كانت ماسَّة في ذلك الوقت إلى ضابطٍ شابٍ يخدم في ثغر طرسوس، لهُ بأس لِقاء العدو والرغبة في الجهاد، ولهُ من التقوى ما يُناسب الجو الديني الخالص الذي شاع في المدينة، نظرًا لِلأهميَّة الاستراتيجيَّة والعسكريَّة الفريدة لِهذه المدينة الواقعة على الحُدود بين آسيا الصُغرى والشَّام، حيثُ تلتقي بلادُ المُسلمين ببلاد البيزنطيين؛ وفي نفس الوقت كان أحمد بن طولون قد طلب من الوزير عُبيد الله بن يحيى أن يكتب لهُ أرزاقهُ في الثغر سالِف الذِكر، وعرَّفهُ رغبتهُ في المقام به، فوافق على طلبه وكتب لهُ به.
بناءً على هذا، خرج أحمد بن طولون إلى ثغر طرسوس وقضى فيه سنوات شبابه بعيدًا عن الوسط التُركي في العراق، وأخذ العلم والحديث والآداب عن كِبار العُلماء الطرسوسيين، كما تزوَّج وأنجب، وتطلَّع إلى الاشتراك في الصوائف التي كانت تغزو الروم، كما تعرَّف عن قُرب على الشَّام وما كانت تمتاز به من الأهميَّة العسكريَّة، ورُبما كانت أيَّامهُ الأولى فيها فاتحة طُموحه في تولِّيها مع مصر.

خطا أحمد بن طولون خُطواته الأولى نحو الشُهرة عندما تُوفي والده في سنة 240هـ المُوافقة لِسنة 854م وهو في العشرين من عُمره. فقد فوَّض إليه الخليفة العبَّاسي المُتوكِّل ما كان لِأبيه من الأعمال العسكريَّة المُختلفة، وسُرعان ما أُتيح له أن يستولي على إمارة الثُغور ودمشق وديار مصر.
وعلى هذا الشكل دخل أحمد بن طولون في خضم الحياة السياسيَّة المُضطربة آنذاك في العراق، وهو يتمتَّع باحترام التُرك وثقتهم، كما نال ثقة الخِلافة واحترامها، فكانت علاقته بِكُلٍ من الخليفتين المُتوكِّل والمُستعين جيِّدة، وقد بدأت صلته بِهذا الأخير خِلال عودته من طرسوس، عندما انضمَّ إلى قافلة تجاريَّة قادمة من بيزنطة تحملُ طرائف ومتاع روميَّة للخليفة، فأنقذها من قُطَّاع طُرقٍ أعراب تعرَّضوا لها في منطقة الرها، فاحتفظ لهُ الخليفة بالجميل ومنحهُ ألف دينار.
وكان أحمد بن طولون على العكس من الكثير من قادة الحرس التُرك، يُظهرُ احترامه وتقديره للخليفة إن دخل عليه أو تحدث عنه. وعندما نُفي الخليفة إلى واسط، نتيجة صراعه مع المُعتز والتُرك، سمح له هؤلاء باصطحاب أحمد بن طولون معه، فكان رفيقه في مُعتقله، ولا شكَّ بأنَّ هذا الاختيار وقُبول التُرك به كمُرافق للخليفة، مردَّهُ إلى الثقة التي حصل عليها من الجميع. وأثبت أحمد بن طولون أنه جديرٌ بِهذه الثقة، فعامل الخليفة المُستعين بالحُسنى، ورفض طلبًا لِقبيحة، والدة المُعتز، بِقتله مُقابل تقليده واسط، وكان جوابه: «لًا يَرَانِي اللهُ عز وجل أَقْتُلُ خَلِيْفَةً لَهُ فِي رَقَبَتِي بَيْعَةٌ وَأَيْمَانٌ مُغَلَّظَةٌ أَبَدًا»، فسلَّم الخليفة سليمًا لِأعدائه وهو يُدركُ مصيرهُ المحتوم. وكان لِموقفه هذا الأثر الكبير في نُفوس التُرك فأعظموا فيه دينهُ وعقله، وكبُر في نظرهم، وباتوا يتطلَّعون إلى هذا الشَّاب ليتسلَّم زعامتهم، كما عُظم في أعيُن البغداديين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى