من فات قديمه

الدولة الطولونية..2

 الإنفراد بحكم مصر

بعد تعاظم شأن بن طولون في أعين العامة والخاصة برز بشكل كبير على الساحة السياسية في العراق ورأى الترك أن هذا الشاب اليافع القوي هو الأصلح لزعامتهم، ولكن رأى ابن طولون أن حكم مصر أفضل من هذا، فماذا سيفعل؟

-ابن طولون يحكم مصر:

برز بايكباك التُركي على المسرح السياسي على أثر الصراع الذي انتهى بِمقتل الخليفة المُستعين وتولية المُعتز وكان هذا القائد التُركي في مُقدِّمة القادة التُرك الذين أداروا هذا الصراع، وقد تقاسموا الأعمال والنواحي فيما بينهم فأقطع المُعتز بايكباك أعمال مصر ونواحيها ويبدو أنه خشي مُغادرة عاصمة الخِلافة حتَّى لا يتعرَّض للعزل وآثر أن يبقى قريبًا من مركز السُلطة يُشارك في إتخاذ القرارات وأناب عنهُ أحمد بن طولون في مصر، وفضَّلهُ على غيره لما عُرف عنه من حُسن السيرة وبِفعل قرابته له، بكون بايكباك زوجاً لأُمّ إبن طولون.
سار أحمد بن طولون إلى مصر بِرفقة أحمد بن مُحمَّد الواسطي ودخلها يوم الأربعاء 23 رمضان 254هـ المُوافق فيه 15 سپتمبر 868م، وكانت السياسة السائدة آنذاك أن يتولَّى السُلطة في مصر أكثر من شخصٍ حتَّى يُراقب بعضهم بعضًا فكان عامل الخِراج أحمد بن مُحمَّد بن المُدبِّر، ذو السيرة السيرة السيِّئة في المُجتمع المصري بِفعل شدَّته وقسوته، وهو من دُهاة الناس وشياطين الكُتَّاب وكان شُقير الخادم على البريد، وهو غُلامُ قبيحة والدة المُعتز. يُراقبُ أعمال كبار المُوظفين وسُلوك النَّاس ويُعلمُ الخِلافة بذلك وهو دائمًا يدسُّ بين هذه القوى المُتعددة، وكان بكَّار بن قُتيبة على القضاء، وعلى الإسكندريَّة إسحٰق بن دينار، وعلى برقة أحمد بن عيسى الصعيدي.
وما أن استقرَّ أحمد بن طولون في الفسطاط حتَّى إصطدمت مصالحه مع هذه القوى، فساءت علاقته بابن المُدبِّر الذي حاول إستقطابه بِعشرة آلاف دينار، فرفض ابن طولون الهديَّة وردَّها بِفعل أنه دخل مصر وهو مُفعم بِتطلُّعات سُلطويَّة تفوق كُلَّ حد فأدرك ابنُ المُدبِّر أنَّهُ أمام رجلٍ طموحٍ قد يُشكِّلُ خطرًا عليه فراح يُحيكُ المُؤامرات للتخلُّص منه أو إبعاده عن مصر، وأرسل تقريرًا إلى دار الخِلافة أوضح فيه بأنَّ أحمد بن طولون رجلٌ لا يُؤتمنُ لا على ولاية مصر ولا حتَّى على طرفٍ من الأطراف وإتهمهُ بأنَّهُ ينوي الإستقلال بِمصر.

تصدَّى أحمد بن طولون لِهذه المُؤامرة التي صاغها ضدَّه ابن المُدبِّر واستقطب بعض التُجَّار في مصر والعراق، فإستخدمهم لإستمالة أولي الأمر في بغداد عن طريق بذل المال، وقد نجح في هذا المضمار حيثُ مكَّنتهُ هذه السياسة من الإستمرار في حُكم مصر على الرُغم من كثرة الوُشاة والكُتب المُتلاحقة من ابن المُدبِّر وشُقير الحاجب، كما كانت دعمًا آخر له إضافةً إلى دعم بعض القادة التُرك المُهيمنين على مُقدرات الخِلافة مثل بايكباك ويارجوخ، وإستمال أحمد بن طولون الوزير الحسن بن مُخلَّد عن طريق بذل المال أيضًا فأرسل لهُ هذا الكُتب التي كان يبعثها ابن المُدبِّر وشُقير الحاجب ضدَّه، وبهذا الأُسلوب السياسي كشف ابن طولون أعداءه واطلع على حقيقة موقفهم منه لِذلك قرَّر التخلُّص منهم حتَّى تخلو له الساحة السياسيَّة فإستدعى شُقير الحاجب وإعتقله ولم يتحمل الأخير هول الصدمة فمات.
التفت أحمد بن طولون بعد ذلك إلى التخلُّص من ابن المُدبِّر بِفعل خطره عليه ووُقوفه حجر عثرة في وجه مشروعاته الكُبرى في مصر فكتب إلى الخليفة المُهتدي يطلب منه صرفه عن خراج مصر وتعيين مُحمَّد بن هلال مكانه وهو أحد أصدقائه، ولمَّا كان بايكباك مُهيمنًا على دار الخِلافة وافق الخليفة على طلبه، وساعدت الظُروف السياسيَّة، التي حدثت في بغداد، أحمد بن طولون في تثبيت أقدامه في مصر، فقد قُتل بايكباك سنة 256هـ المُوافقة لِ 870م وخلفه القائد التُركي يارجوخ وهو ختن ابن طولون، فكتب إليه: «تسلَّم من نفسك لِنفسك»، وهي إشارة واضحة لِتسليمه مصر كُلَّها، ولكنَّهُ استثنى الخراج الذي ظلَّ بِيد أحمد بن المُدبِّر، الذي أضحى محدود السُلطة في ظل هيمنة ابن طولون.

سار أحمد بن طولون بِخُطىً ثابتة للسيطرة على الأُمور كُلها في مصر، فخرج على رأس قُوَّة عسكريَّة إلى الإسكندريَّة واستخلف طغلغ على الفسطاط وطخشي بن يلبرد على الشُرطة وعندما وصل إليها في رمضان سنة 257هـ المُوافق فيه يونيو 871م استقبلهُ عاملها إسحٰق بن دينار بالترحاب فأقرَّهُ عليها كما استلم برقة من أحمد بن عيسى الصعيدي فعظُمت بِذلك منزلته وكثُر قلق ابن المُدبِّر وغمُّه، وبذلك بدأت مرحلة جديدة في تاريخ مصر.
توفي يارجوخ في سنة 259هـ المُوافقة لِسنة 873م وهو صاحب إقطاع مصر الذي كان أحمد بن طولون يحكُمه بالنيابة عنه ويدعو لهُ على منابره بعد الخليفة، فأقرَّهُ الخليفة المُعتمد واليًا عليها، وبذلك أضحى حاكم مصر الشرعي من قِبل الخِلافة مُباشرةً، وتُعدُّ هذه السنة سنة تأسيس الإمارة الطولونيَّة. وفي سنة 263هـ المُوافقة لِسنة 877م، ورد كتاب المُعتمد إلى أحمد بن طولون يطلب منه إرسال خراج مصر فردَّ عليه قائلًا: «لستُ أُطيقُ ذلك والخراجُ بِيد غيري» فما كان من المُعتمد عندئذٍ إلَّا أن قلَّدهُ خراج مصر وولَّاهُ إمرة الثُغور الشَّاميَّة على أثر اضطراب أوضاعها فأضحى بذلك سيِّد الديار المصريَّة كُلَّها والمُشرف العام على جميع أعمالها العسكريَّة والإداريَّة والقضائيَّة والماليَّة، وقام بِضرب الدينار الأحمدي رمزًا لِهذا الإستقلال.

-الحركات المُعارضة التي قامت في وجه ابن طولون:

واجه أحمد بن طولون في بداية حياته السياسيَّة حركات ثوريَّة عدَّة اتسم مُعظمها بالطابع الديني المذهبي بِفعل النزاع الذي كان سائدًا خِلال هذه المرحلة، وكان التصدي لها يُحقق أكثر من حاجة، منها إقرار الأمن في الداخل والإخلاص للبيت العبَّاسي والدفاع عن الخِلافة العبَّاسيَّة وتثبيت مركزه بِوصفه عاملها القوي، فقد إستطاع القائد بغا الكبير بعد أن فرَّ من بغداد أن يستقرَّ في منطقة الكنائس بين برقة والإسكندريَّة ورفع راية العصيان في 255هـ المُوافقة لِسنة 869م، وادعى نسبًا علويًّا لإستقطاب الأنصار، واتخذ اسمًا هو أحمد بن مُحمَّد بن إبراهيم بن طباطبا، ثُمَّ سار إلى صعيد مصر فكثُر أتباعه وادَّعى الخِلافة، كان من الطبيعي أن يتصدَّى أحمد بن طولون لِمثل هذه الثورات التي تُشكِّلُ خطرًا على وضعه الداخلي فأرسل إليه القائد بَهم بن الحُسين اصطدم به وتغلَّب عليه وقتله.
وفي سنة 256هـ المُوافقة لِسنة 780م قامت حركة ثوريَّة أُخرى بِقيادة إبراهيم بن مُحمَّد بن الصوفي العلوي فهاجم إسنا ودخلها ونهبها، وعاث فسادًا في نواحيها، فأرسل إليه أحمد بن طولون القائد ابن يزداد فتغلَّب العلوي عليه وأسره، وأرسل ابن طولون جيشًا آخر بِقيادة بَهم بن الحُسين اصطدم به في نواحي إخميم وهزمه وقتل كثيرًا من رجاله ونجا هو فسار إلى الواحات فأقام مُدَّةً ثُمَّ ظهر في نواحي الأشمونين في سنة 259هـ المُوافقة لِسنة 873م، فوجَّه إليه ابن طولون جيشًا بِقيادة ابن أبي المُغيث فوجده قد ذهب إلى الصعيد لِقتال رجُلٍ ظهر هُناك زعم أنَّهُ عبدُ الحميد بن عبدُ الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عُمر بن الخطَّاب، فتقاتلا قتالًا شديدًا أسفر عن انهزام العلوي، فولَّى هاربًا إلى أسوان، فعاث فيها وقطع كثيرًا من نخلها فسيَر إليه ابن طولون جيشًا بِقيادة بَهم بن الحُسين وأمره بطلبه أين كان فسار في أثره، وعندما علم بذلك هرب إلى عيذاب، وعبر البحر إلى مكَّة، وتفرَّق أصحابه وعندما وصل إلى مكَّة بلغ خبره واليها، فقبض عليه وسجنه ثُمَّ أرسلهُ إلى ابن طولون، فطيف به في البلد، ثُمَّ سجنه مُدَّة وأطلقه، فذهب إلى المدينة المُنوَّرة فأقام بها إلى أن مات.

لم يضع القضاء على حركة ابن الصوفي حدًّا لِحركات التمرُّد وإستئصال الفتنة في الصعيد، فقد ظهر رجلٌ من أتباعه يُكنى أبو روح، واسمهُ «سكن»، خرج في سنة 260هـ المُوافقة لِسنة 874م في بوادي بُحيرة الإسكندريَّة وثار ضدَّ الحُكم الطولوني للثأر له؛ والتفَّت حوله طائفةٌ كبيرة فقطع الطريق وأخاف السابلة، فوجَّه إليه أحمد بن طولون قائده يلبق الطرسوسي على رأس جيشٍ كثيف، لكنَّه هزمهم وردَّهم على أعقابهم وأهمل أحمد بن طولون أمر أبي روح مُدَّةً من الزمن، حتَّى إذا علم بأنَّهُ يغزو الفيُّوم أرسل جيشين للإجهاز عليه، فهزموه وأصحابه شرَّ هزيمة وقتلوا كثيرًا منهم ومن استسلم أُسر، وتصدَّى أحمد بن طولون لِحركة عبد الحميد بن عبدُ الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عُمر بن الخطَّاب، المُكنى «أبو عبد الرحمٰن العُمري»، على الرُغم من أنَّ هذه الحركة لم تكن مُوجَّهة مُباشرةً ضدَّ الطولونيين وإنما قامت ضدَّ قبائل البجا، الذين كانوا يُغيرون على المناطق السكنيَّة المُتاخمة لِلثُغور الجنوبيَّة لِمصر، فخرج هذا العُمري غضبًا للمُسلمين وكمن لهم في طريقهم، فلمَّا عادوا خرج عليهم وقتل قائدهم ومن معه ودخل بلادهم فنهبها وأكثر القتل فيهم، وتابع عليهم الغارات حتَّى أدَّوا له الجزية ولم يُؤدوها لِأحدٍ قبله واشتدَّت شوكة العُمري وكثُر أتباعه ما أثار أحمد بن طولون الذي لم يكن يقبل بِوُجود أيّ قُوَّة مهما كان نوعها، يُمكن أن تشغل أي دور قد يكون مُنافسًا لِسُلتطه ولِوجوده الشخصي في مصر، وقد خشي أن يتجاوز حربه ضدَّ البجا فيطمع في مصر كُلَّها لِذلك رأى في بقائه انتقاصًا لِسيادته؛ فأرسل إليه جيشًا كثيفًا، فلمَّا تصافوا لِلقتال تقدَّم العُمري وأخبر قائد الجيش أنَّه لا يطمع في مصر ولا رغبة لهُ في حرب ابن طولون، وأنَّه لم يخرج للفساد ولم يتعرَّض أو يؤذي أهل البلاد سواء أكانوا مُسلمين أم من أهل الذمَّة، وأنَّ خُروجه كان طلبًا لِلجهاد فقط فرفض قائد الجيش ذلك وقاتله فانهزم أمامه وعاد أدراجه إلى الفسطاط يجُرُّ أذيال الخسارة ولم تمض أشهُرٍ ذات عدد حتَّى وافى أحمد بن طولون غُلامان زعما أنَّهُما من غلمان العُمري وأنهُما قتلاه وأتيا بِرأسه تقرُّبًا منهُ وحظوة، فأمر بِقتلهما، وغسَّل رأس العُمري وكفَّنهُ وطيَّبهُ ودفنه.

وفي سنة 261هـ المُوافقة لِسنة 875م ثار أهلُ برقة على الحُكم الطولوني وأخرجوا أميرهم مُحمَّد بن فروخ ويبدو أنَّ الثورة كانت أشدَّ خطرًا، بِدليل إهتمام أحمد بن طولون بِإخمادها وتسخيره الجيش والأُسطول في القضاء عليها، فأرسل إليهم ثلاثة جُيوش بريَّة تُساندهم حملة بحريَّة وأمر القادة بالرفق بِأهل برقة وإستعمال اللين، فإن إنقادوا وإلَّا السيف. ففعل القادة ما أمرهم به أميرهم، وطمع أهلُ برقة، ففتحوا الباب الذي عليه أحد الجُيوش بِقيادة أبي الأسود الغطريف ليلًا وأوقعوا بِعسكره وقتلوا منهم، كان الغطريف من بينهم، فلمَّا عرف ابن طولون بذلك كتب إلى سائر القادة يأمرهم بِقتال أهل المدينة، فنصبوا عليهم المجانيق وجدّوا في قتالهم، فاضطروا إلى طلب الأمان، وفتحوا الباب للجيش الطولوني، فدخل إلى المدينة، وقُبض على جماعة من رؤساء الفتنة وحُملوا إلى الفسطاط، بينما أُعدم بعضهم صلبًا ليثبت بذلك الجيش الطولوني أقدامه بالمدينة.

كتب: مصطفي خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى