من فات قديمه

الدولة الطولونية..3..”إلى الشام يا بن طولون”

بعدما إستتب الأمر له وقام بالقضاء على كل الفتن والثورات في ديار مصر، وجه ابن طولون أنظاره إلى الشام والتي يعلم جيداً أن هذه المنطقة كفيلة بحماية حكمه لمصر وسينال شهرةً أكبر بسبب متاخمة حدود الشام مع الدولة البيزنطية التي لا تكف عن مهاجمة الثغور والحصون الحدودية، فإن نجح في الدفاع عنها فسيحقق الشهرة التي يريدها، فكيف سيتصرف حيال هذا الأمر؟

-التمدُّد الطولوني بإتجاه الشَّام:
يعود إهتمام أحمد بن طولون بالشَّام إلى مرحلة الشباب، وتحديدًا الأيَّام التي قضاها في ثغر طرسوس، حيثُ أدرك أهميَّة ثُغورها في الدفاع عن الداخل الإسلامي ضدَّ الأطماع البيزنطيَّة وأتاحت لهُ ثورة عيسى بن الشيخ في فلسطين والأُردُن الفُرصة كي يتدخَّل في الشُؤون الشَّاميَّة من واقع تكليف الخليفة أبو العبَّاس أحمد بن جعفر المُعتمد على الله له إخماد ثورته، وإذا كانت جُهوده لم تُثمر إلَّا أنَّ هذه الحركة لفتت نظره إلى أهميَّة الشَّام ومدى تأثيرها السياسي والعسكري على مشروعاته في مصر، كما دفعته إلى تكوين جيشٍ خاصِ به لإستخدامه في التوسُّع ورأى ابن طولون أنَّ عليه أن يتوسَّع بإتجاه الشرق في الشَّام والوُصول إلى حُدود العراق والأناضول لِضروراتٍ عسكريَّةٍ وسياسيَّة، أهمُّها ضمان تدخُّله في شؤون الخِلافة والدفاع عن أمنه في مصر، فالشَّام هي مفتاح مصر، وأيُّ غازٍ سواء أكان بيزنطيُّا أو عبَّاسيًّا أو شاميًّا حتَّى لا بُدَّ له وأن ينطلق من هذه البلاد نحو مصر كما دفعهُ عامل الجهاد الديني إلى ضمِّ هذا الإقليم تمهيدًا للسيطرة على ثُغوره والدفاع عن بلاد المُسلمين أمام توثُّب البيزنطيين، لا سيَّما وأنَّ الروم أخذوا يضغطون بشكلٍ مُتواصلٍ على مناطق الثُغور الإسلاميَّة وبِخاصَّةً بعد خِلافة المُتوكِّل، وعجز الخِلافة العبَّاسيَّة عن التصدي لِلهجمات البيزنطيَّة بالإضافة إلى أهميَّة الشَّام الإقتصاديَّة بالنسبة لِمصر وحاجتها لِمواردها الأوليَّة كالأخشاب لِصناعة السُفن، والموارد الأُخرى التي يحتاجها ابن طولون في مشروعه التوسُعي.

وفي تلك الفترة كانت الثُغور الشَّاميَّة مُضطربة إمَّا بِفعل النزاعات بين الوُلاة الذين كانت تُعينهم الخِلافة أو بسبب مقتل هؤلاء قبل وصولهم إليها لِتسلُّمها، بالإضافة إلى أنهم لم يُقيموا فيها وأنابوا عنهم من يتولَّى إدارتها ويُجبي خِراجها ويغزو بِأهلها، وكان من بين هؤلاء الوُلاة أحمد بن طولون نفسه الذي أناب عنهُ من يُحصِّل خِراجها ما أثار الأمير أبا أحمد طلحة المُوفَّق أخي الخليفة المُعتمد، فتشاور مع الأخير واتفقا على عزل ابن طولون وتعيين مُحمَّد بن هارون التغلبي، وكان يتولَّى الموصل، غير أنَّهُ قُتل في الطريق على شاطئ دجلة سنة 260هـ المُوافقة لِسنة 874م فاختار الخليفة مُحمَّد بن علي بن يحيى بدلًا منه وقلَّدهُ الثُغور، لكنَّ هذا قُتل أيضًا بعدما حرّض سيما الطويل التُركي المُتسلِّط على الثُغور أنصاره فيها ودعاهم إلى الثورة على الوالي الجديد، فتمَّ تعيين أرخور بن أولغ طرخان التُركي بدلًا منه، لكنَّ هذا تشاغل بِملذَّاته، وكان غرًّا جاهلًا، أساء السيرة واستولى على كُلِّ ما لاح له، وأخَّر الميرة والأرزاق عن سُكَّان حصن لؤلؤة، ففقدوا بذلك القُدرة على الصُمود في وجه هجمات البيزنطيين، فسقط الحصن بِأيديهم.

فاستاء الخليفة من ذلك ورأى من الأفضل إعادة تسليم المنطقة إلى أحمد بن طولون، فارتدَّت إليه ولاية الثُغور مرَّة أُخرى وأسفر هذا عن نتائج بالغة الأهميَّة إذ وضَّح للسُكَّان أنَّ الثُغور لن يحميها بشكلٍ فعَّال إلَّا أحمد بن طولون، وأنَّ جهاد البيزنطيين لن يتحقق إلَّا تحت رايته وما حدث آنذاك من وفاة أماجور والي الشَّام، وتعيين القادة التُرك ابنه عليّ إبن أماجور واليًا على هذا البلد مكان والده وكان صبيًّا، بالإضافة إلى ازدياد وضع المُوفَّق حرجًا بِفعل وُقوعه تحت ضغط ثورة الزُنج التي أنهكت قُواه؛ أُتيح لِابن طولون إستغلال الأوضاع المُؤاتية لِيثب على الشَّام ويضُمَّها إلى مصر، فلم يعترف بِولاية علي بن أماجور، وأرسل إليه كتابًا يُعزِّيه بأبيه ويُخبره بأنَّ الخليفة قد قلَّدهُ الشَّام كُلَّها مُضافًا إلى الثُغور الشَّاميَّة، وأنَّهُ قادمٌ لِيُعلن الجهاد ضدَّ البيزنطيين، ويطلب منه أن يُقدِّم للجيش الطولوني ما يحتاج إليه من الميرة والعلف والتسهيلات الأُخرى، ولم يكن أمام علي بن أماجور الضعيف إلَّا أن يستجيب لِطلبه فأعلن الولاء والطَّاعة له ودعا لهُ على المنابر.

خرج أحمد بن طولون من القطائع في شهر شوَّال سنة 264هـ المُوافق فيه شهر يونيو سنة 878م وسار إلى الرملة حيثُ وافاه عاملها مُحمَّد بن رافع، فقدَّم لهُ الميرة والعلف وفُروض الولاء والطاعة وخطب لهُ على المنابر، فأبقاهُ ابن طولون في عمله، وأعلن والي مصر أثناء تقدُّمه في فلسطين، أنَّهُ قدم للجهاد، فجاءته العساكر والمُطوَّعة، فضمَّها إلى جيشه وتقدَّم نحو دمشق، فخرج علي بن أماجور وأركان دولته لاستقباله والوفاء بِحقِّه في الرئاسة، وانضمُّوا إليه وأعدَّوا له الميرة والعلف ومكث أحمد بن طولون أيَّامًا عدَّة في دمشق نظَّم خلالها أوضاعها الإداريَّة والعسكريَّة ودُعي لهُ على منابرها، وضمَّ جُندها وقادتهم إلى جيشه، ثُمَّ تابع تقدُّمه نحو حِمص وعزل واليها عيسى الكرخي بِفعل سوء سيرته وشكوى الحمصيين من ظُلمه حرصًا منهُ على كسب وِدَّهم. ثُمَّ تقدَّم بعد ذلك إلى حماة فملكها وسار إلى حلب ودخلها، ثُمَّ تقدَّم إلى منطقة الثُغور حيثُ فتح قنسرين والعواصم، وضرب الحصار على أنطاكية بعد أن رفض واليها سيما الطويل الدُخول في طاعته، فاقتحمها بالاتفاق مع سُكَّانها وقاتل حاميتها حتَّى استسلمت له، وقُتل واليها على أيدي الأهالي الحاقدين عليه لِشدَّة ظُلمه وسوء تدبيره.
كان من الطبيعي بعد سُقوط أنطاكية أن يتوجَّه أحمد بن طولون إلى بقيَّة الثُغور الشَّاميَّة، فدخل المصيصة وأضنة وانتهى به المطاف في طرسوس المدينة المُحبَّبة إلى قلبه، فامتنع واليها عن استقباله والترحيب به وأغلق الأبواب في وجهه، وفي روايةٍ أُخرى أنَّ ابن طولون دخل المدينة في جمعٍ عظيمٍ دون أن يُعارضه أحد، كان بإستطاعة أحمد بن طولون أن يمضي في تحقيق غايته الجهاديَّة إلى أبعد مدى، كما كان بإمكانه دُخول بغداد نفسها، غير أنَّ التطوُّرات السياسيَّة في مصر وخُروج ابنه العبَّاس عليه، والأخبار المُزعجة التي وصلت إليه اضطرَّتهُ إلى طي فكرة الجهاد مُؤقتًا والعودة إلى القطائع لِيقضي على الثورة، إلَّا أنه كان عليه أن يُؤمِّن أطراف إمارته في شمال شرقي الشَّام حيثُ بعض المُتسلطين الذين رأى فيهم خطرًا يُهددُ بلاده ومُكتسباته، لِذلك قرَّر ضرب هذه القوى، فأرسل جيشًا إلى الرقَّة وجيشًا آخر إلى حرَّان، فضمَّهُما إلى الأملاك الطولونيَّة. ودخلت مُدن ساحل الشَّام تحت حُكم ابن طولون وأهمُّها طرابُلس وعكَّا ويافا وذلك بالتزامن مع دُخوله إلى دمشق. وهكذا دخلت الشَّام في مرحلةٍ جديدةٍ في تاريخ علاقتها مع مصر، إذ أضحتا تابعتين لِقيادةٍ واحدة تقومُ في وقتٍ واحدٍ بِتحريك الجُيوش والأساطيل وقيادتها وتنسيق الأعمال فيما بينها. وبدأ الأُسطول الطولوني نشاطه انطلاقًا من قواعده في الشَّام، فهاجم جُزر بحر إيجة ومُدن اليونان، كما كلَّفت الخِلافة أحمد بن طولون، على الرُغم من العداء المُستحكم بينهما، بِمُهمَّة الدفاع عن حُدودها البريَّة المُحاذية لِبلاد الروم وبِخاصَّةً على جبهة الفُرات في شمالي العراق التي هدَّدت بغداد نفسها.

-الاضطرابات في الشَّام ضدَّ الحُكم الطولوني:

كان أحمد بن طولون قد عيَّن حاجبه لؤلؤ الذي إشترك معهُ في السيطرة على الشَّام حاكمًا عامًّا عليها قبل أن يُقفل ويعود إلى مصر، فاتسع بذلك سُلطانُ هذا الحاجب وخُطب لهُ على المنابر بعد الخليفة وابن طولون، وكُتب اسمهُ على السكَّة وفي سنة 268هـ المُوافقة لِسنتيّ 881-882م توضَّحت بوادر الشقاق بين أحمد بن طولون وغُلامه لؤلؤ بِدافع عاملين:
1-الأوَّل مالياً: فقد شدَّد ابن طولون على غُلامه في جباية الضرائب، وكان عامل الخِراج تابعًا مُباشرةً لابن طولون ويأتمر بِأمره ما كبَّل يديّ لؤلؤ، فأبدى سخطه واستولى على قسمٍ من الخراج.
2-الثاني سياسي: ويتعلَّق بِتعيين أحمد بن طولون صهره مُحمَّد بن فتح بن خاقان واليًا على ديار مضر من دون أن يستشير لؤلؤ.
وعلمت الخِلافة بما حصل، فاستغلَّ مُحمَّد بن سُليمان الكاتب هذا الخِلاف لِضرب ابن طولون، فحثَّ لؤلؤ على الإنضمام إلى أبي أحمد المُوفَّق طلحة وإرسال الخِراج إليه.
وفشلت مساعي ابن طولون في إعادة غُلامه إلى الطاعة واستولى لؤلؤ على مليون دينار، ثُمَّ انحاز إلى المُوفَّق وانضمَّ إليه وهاجم لؤلؤ أثناء ذهابه بالس ونهبها أثناء عودته للعراق، واستولى على قرقيساء.
نتيجةً لِهذا التطوُّر السياسي، اضطرَّ أحمد بن طولون لِلخُروج إلى الشَّام لِوضع حد لِحركة غُلامه لؤلؤ، وكان يأمل أن يلحق به قبل أن يدخل إلى العراق، لِأنَّ من شأن ذلك أن يُهدِّد كيان دولته، لِذلك جدَّ في السير حتَّى لا تفوته هذه الفُرصة وبِخاصَّةً أنَّ المُوفَّق كان على وشك القضاء على ثورة الزُنج وأضحى بِوسعه إستعمال ورقة لؤلؤ لِلضغط عليه، ولمَّا وصل إلى دمشق كان لؤلؤ قد فرَّ إلى العراق وانضمَّ إلى المُوفَّق.

-فشل بن طولون بالشام:
واستغلَّ أحمد بن طولون وُجوده في دمشق لِيُعيد سيطرتهُ على مناطق الثُغور، والمعروف أنَّ «يازمان» خادم الفتح بن خاقان قد استبدَّ بها بِتحريضٍ من المُوفَّق وأعلن التمرُّد على الطولونيين، وراح يستقطب الأنصار ويُضيِّق على السُكَّان، فخشي ابن طولون سوء العاقبة وطمع البيزنطيين، فرأى أن يلجأ إلى السياسة لِإقناع يازمان بالعودة إلى طاعته، وكلَّف في الوقت نفسه نائبه خلف الفرغاني وأقرَّهُ القيام بِغزو البيزنطيين في خُطوةٍ لاستقطاب السُكَّان. رفض يازمان دعوة أحمد بن طولون، فكلَّف هذا خلف الفرغاني القبض عليه، غير أنَّ أنصاره في طرسوس طردوا الفرغاني وولُّوا عليهم يازمان وتركوا الدُعاء لابن طولون على المنابر ولعنوه، وعندما علم بذلك خرج بِنفسه لِتأديب الثائر، ولمَّا وصل إلى المصيصة أرسل وجوه من معه إلى يازمان يدعوهُ مُجددًا إلى الطاعة، في خُطوةٍ سياسيَّةٍ أخيرةٍ مُقابل منحه الأمان، ولكنَّ يازمان رفض الدعوة أيضًا وأصرَّ على المُقاومة، وتحصَّن في أضنة، فحاصرهُ ابن طولون وقد عسكر في مرج المدينة في شهر جمادى الآخرة سنة 270هـ المُوافق فيه شهر ديسمبر 883م، فعمد يازمان إلى تفجير مياه نهر البردان، وكان الفصلُ شتاءً والبردُ شديدًا والأمطارُ غزيرةً والثُلوج كثيفة، فكاد الجيشُ أن يغرق بعد أن غرق المرج، واضطرَّ ابن طولون أن يرحل عن المدينة في جُنح الليل من دون أن يُحقق نجاحًا، فأقام أيَّامًا في المصيصة قبل أن يعود إلى دمشق ثُمَّ إلى مصر وهكذا فشل أحمد بن طولون في المُحافظة على مُكتسباته كاملةً في الشَّام.

كتب: مصطفى خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى