من فات قديمه

الدولة الطولونية.. 4.. “أبو الجيش خُمارويه..النجاح أم الفشل؟”

بعد خسارته المعارك الأخيرة في ثغور الشام، اتجه أحمد بن طولون في أواخر أيَّامه إلى تحسين الأجواء بينهُ وبين المُوفَّق، فأبدى الأخير إستعداده نظرًا لِأنَّ الخلاف لم يصب في المصلحة العامَّة للمُسلمين، وأدّى إلى إضعاف مصر والعراق على حدٍ سواء، واشترط أحمد بن طولون أن يكون تكريم الخليفة العبَّاسي ورد اعتباره إليه بندًا أساسيًّا في الصُلح، فقبل المُوفَّق وبادر بِتكريم الخليفة وردَّ إليه اعتباره وأطلقهُ من محبسه، فكانت الخُطوة التالية إعتراف الخِلافة بِشرعيَّة حُكم في مصر والشَّام، وقد أبدت إستعدادها لِتنفيذ ذلك لولا أنَّ المنيَّة وافت ابن طولون يوم الأحد في 10 ذي القعدة 270هـ المُوافق فيه 10 مايو 884م، وتولى الأمر من بعده ابنه أبا الجيش خُمارويه، الذي وجد العديد من التحديات التي تحاول أن تنهي حكمه، فماذا أنت بفاعل يا أبا الجيش؟

اجتمع قادة الجُند واختاروا أبا الجيش خُمارويه بن أحمد بن طولون خلفًا لِوالده تنفيذًا لِوصيَّة الأخير، وإرضاءً للجُند الذين فضَّلوه والتفّوا من حوله للمُحافظة على تُراث الإمارة ومكاسبها، وكان عُمره عشرون عام والواقع أنَّ أحمد بن طولون ترك وصيَّةً لابنه ضمَّنها خُلاصة تجاربه السياسيَّة، وحدَّد لهُ فيها الخُطوط العامَّة للسياسة التي يجب أن يتبعها، فأشار عليه بالمُحافظة على بيعة الخليفة كونها أمانة في عُنق كُل أمير وهي ما يُضفي على دولته مُقوِّماتها الشرعيَّة، ونصحهُ بالحفاظ على الجيش وإبقائه مُوحدًا وخاضعًا له ومُواليًا لِدولته، وضمان ولاء عبيده ومواليه والإستمرار بالتسلُّح والإستعداد العسكري الدائم والقضاء على المُؤامرات المُنبعثة من العراق، كسب ود أهل البلاد والفوز بِرضاهم وتعاونهم، والإعتدال في النفقات وعدم الإسراف في المال.
ولم يُخالف خُمارويه وصيَّة والده التي عدَّها ميثاقًا لِسياسته في مصر والشَّام وفي علاقاته مع الخِلافة العبَّاسيَّة في بغداد، بإستثناء الناحية الإقتصاديَّة حيثُ مال إلى البذخ والإسراف في الترف،واجه في بداية حياته السياسيَّة مُشكلة رفض أخيه العبَّاس مُبايعته والإعتراف بِحُكمه، بعد أن كان والده قد قمع ثورته التي قام بها سابقًا أثناء تغيُّبه في الشَّام، وإستنادًا إلى وصيَّة أحمد بن طولون لابنه هذا كان عليه أن يتولَّى حُكم الشَّام ومنطقة الثُغور ويعترف بِحُكم خُمارويه ويخضع لهُ ويُذعن بالطاعة، إلَّا أنَّهُ لم يفعل، إذ لم يشأ أن يتنازل عن حقه في خِلافة والده بِوصفه الابن الأكبر، وكان يتوهَّم أنَّ خُمارويه لا يقوى قلبهُ على مُناهضته، واستدعاه رجال الدولة وخواص الأولياء والغلمان، ثُمَّ أحضروا المُصحف لِأخذ البيعة منه، لكنَّهُ تردد، وكشف عن نيَّته في العصيان، ما أثار الريبة في نُفوس قادة الجُند الذين كانوا يكرهونه لِتعاليه وجفوته، فكان رفضه البيعة لِأخيه أو تباطئه فيها بِمثابة النهاية المحتومة، فقد قُتل بعد ذلك بِأيَّام.

وبعد أن اجتاز خُمارويه بِنجاح مُشكلة رفض أخيه العبَّاس في الإعتراف بِحُكمه، وحقَّق وحدة القيادة السياسيَّة والعسكريَّة، ووحَّد الأُسرة الطولونيَّة، انصرف إلى الإعتناء بِتنمية القُوَّة العسكريَّة، فأسس جيشًا قويًّا اعتنى بِتدريبه وتسليحه وزيادة عدد أفراده، ثُمَّ سارع إلى تنظيم أُمور الشَّام بِسبب أهميَّتها في دعم سُلطته في مصر، لا سيَّما وأنَّ المُوفَّق كان قد انتهى من أمر الزُنج بالبصرة واستقام لهُ الأمر، فتفرَّغ لِمصر لِيأخذ بِثأره القديم، مُستغلًّا وفاة أحمد بن طولون وحداثة خُمارويه في السن.
أسند خُمارويه قيادة أهم المُدن والمناطق الشاميَّة لِأفضل قادته، وكتب بعدها إلى الخِلافة العبَّاسيَّة يطلب إقراره على ما بيده من المناطق مُقابل الدُعاء لِلخليفة والطَّاعة التَّامة له، غير أنَّ المُوفَّق رفض طلبه، ما أغضب خُمارويه، فأظهر استياءه، الأمر الذي عُدَّ نذيرًا بإستمرار النزاع واستئناف العمليَّات العسكريَّة.

جمع المُوفَّق بين القُوَّة والدهاء في الحرب مع خُمارويه، فاستغلَّ إسحٰق بن كنداج، أميرُ الموصل والجزيرة الفُراتيَّة، الذي كان يرى أنَّهُ أحق بِولاية الشَّام ومصر، وامتدَّت يداه إلى الداخل الطولوني لِبذر بُذور الشقاق والفرقة وإستغلال ما ينتج من عداوات، فإستقطب أحمد بن مُحمَّد الواسطي الذي كان قد أقسم على أن يهدم كُلَّ ما بناه خُمارويه وأحمد بن طولون، بعد أن قام خُمارويه بتقديم محبوب بن جابر على الواسطي، الذي كان الأخير يعتبرهُ من أتباعه ودونه في المنزلة، بالإضافة لِتخوُّفه من غدر خُمارويه نظرًا لأنَّه هو (أي الواسطي) كان من أشار عليه بقتل أخيه العبَّاس، فخشي أن ينتقم منه، ولمَّا أرسلهُ خُمارويه على رأس جيشٍ إلى العراق لِحرب العبَّاسيين، اتصل به المُوفَّق وألَّبهُ على سيِّده، تصدَّى خُمارويه لِلمُحاولات العبَّاسيَّة القاضية بِإقصائه عن الشَّام وانتزاع مصر منه، فأسرع في تجهيز الحملات العسكريَّة البريَّة والبحريَّة لِإبعاد الحلف المُناهض للطُولونيين عن هذه البلاد، وإنتزاع الإعتراف بِشرعيَّته من العبَّاسيين بِقُوَّة السلاح.
تقدَّمت الجُيوش الطولونيَّة إلى الشَّام، وما أن وصلت إلى فلسطين حتَّى ظهرت المُؤامرة، فقد انضمَّ الواسطي إلى الجُيوش العبَّاسيَّة مُعلنًا صراحةً خيانة سيِّده، وأسرعت القُوَّات العبَّاسيَّة بِدحر الجيش الطولوني، وسيطرت على الرقَّة وقنسرين والعواصم كما هزمت جيشًا ضخمًا يقوده خُمارويه نفسه عند الطواحين على نهر أبي فطرس في جنوبي فلسطين قُرب الرَّملة فانهمك أفراد الجيش العبَّاسي في جمع الغنائم والأسلاب، ليفاجئهم الطولونيون وهُم على هذه الحال وتقلب الهزيمة إلى نصر.

خشي العبَّاسيّون من عودة خُمارويه، فتوجَّهت قُوَّاتهم الباقية إلى دمشق للإحتماء بها، فأغلق سُكَّانها الأبواب في وُجوههم ومنعوهم من دُخولها، وكان لِموقفهم هذا، المُساند للطولونيين، تأثيرٌ واضح في مجرى الأحداث السياسيَّة من واقع إعادة توحيد البلدين تحت الحُكم الطولوني، وإنسجامًا مع شُعورهم ضدَّ العبَّاسيين، وتمكَّن الطولونيّون بِقيادة سعد الأيسر من إستعادة زمام المُبادرة وإستعادة مُعظم مُدن الشَّام، فدخل سعد الأيسر دمشق وخطب فيها لخُمارويه، وأرسل إليه يُبشِّره بالفتح، فسُرَّ هذا وخجُل للهزيمة التي أُلحقت به، فأكثر من الصدقات، وأطلق سراح الأسرى. ولَّى خُمارويه قائد جيشه سعد الأيسر على الشَّام، فعمل هذا على نشر الأمن وتحقيق الاستقرار، وتصدَّى لِهجمات الأعراب على قوافل الحُجَّاج، فأمَّن بِذلك طريق الحج.

وظلَّ خُمارويه مُدَّة سنة تقريبًا لا يتدخَّل مُباشرةً في شُؤون الشَّام، مما أعطى الفُرصة لِسعد الأيسر كي يعمل لِمصلحته مُتجاوزًا المصلحة العامَّة العُليا، ويبدو أنَّهُ تطلَّع نحو الإستقلال عن مصر، فاستخفَّ بِسيِّده واتهمهُ بالتخاذل والجُبن والانهماك باللهو، وكانت أخباره تصل إلى مصر، فتخوَّف منهُ خُمارويه وقرَّر القضاء عليه، فدبَّر لهُ مكيدة في الرَّملة وقتله، غضب سُكَّانُ دمشق لِمقتل أميرهم، فثاروا ضدَّ خُمارويه ولعنوه في الجامع الأُموي، فما كان منه إلَّا أن توجَّه إلى المدينة ودخلها، ولم ينتقم من أهلها، بل استقطبهم عن طريق الإغراء بالمال والعطايا، فاستردَّ سُلتطهُ ليس على دمشق فحسب، بل على البلاد كافَّة.

وأرسل خُمارويه الحملات العسكريَّة لِمُحاربة أعدائه في ديارهم مُتبنيًا سياسة الهُجوم، فبدأ بابن كنداج الذي كان أُلعوبة بيد المُوفَّق، وإنحاز إليه في هذا الصراع مُحمَّد بن أبي السَّاج حاكم الأنبار بِفعل أنَّ مصلحته الآن تقضي بِذلك، ودعا لهُ على منابر أعماله، واصطدم الحليفان بِقُوَّات إسحٰق بن كنداج على مقرُبةٍ من الرقَّة في منطقة البليخ وانتصرا عليها وفرَّ ابن كنداج إلى ماردين وتحصَّن بها، وطاردت القُوَّات الطولونيَّة جُنودهُ المُنهزمين حتَّى وصلت إلى سامرَّاء. وسيطر خُمارويه على منطقتيّ الجزيرة الفُراتيَّة والموصل وعيَّن ابن أبي السَّاج عاملًا عليهما نيابةً عنه، واضطرَّ ابن كنداج إلى الدُخول في طاعته ورضي بأن يكون أحد عُمَّاله، ودعا لهُ في أعماله التي بِيده.

ما أن عاد خُمارويه إلى مصر حتَّى خرج عليه ابن أبي السَّاج بِتحريضٍ من المُوفَّق، وانقضَّ على أملاك الطولونيين في منطقة الجزيرة الفُراتيَّة، فاضطرَّ خُمارويه إلى الخُروج مرَّة أُخرى إلى الشَّام على رأس جيشٍ كبير، والتقى بالقُوَّات العبَّاسيَّة التي كان يقودها ابن أبي السَّاج في ثنية العُقاب بالقُرب من دمشق وانتصر عليها، وطارد ابن أبي السَّاج حتَّى الموصل، ثُمَّ تبعهُ حتَّى تكريت وانتصر عليه. وعلى هذا الشكل قضى خُمارويه على أعدائه الذين اجتمعوا ضدَّه، وأقرَّ الأمن على حُدوده الشرقيَّة، وامتدَّ نُفوذهُ من برقة إلى الفُرات ومن الأناضول إلى النوبة، وأضافت الخِلافة أرمينية إلى أملاكه نظير ما بذلهُ من جُهودٍ في منطقة الجزيرة الفُراتيَّة، واعترف الخليفة بسُلطانه على تلك البلاد وأقرَّهُ عليها، فاستقرَّ لهُ ولِأولاده من بعده حُكم مصر والشَّام الوراثي مُدَّة ثلاثين سنة، كما اعترف «يازمان»، المُستبد بالثُغور، بِحُكمه ودعا لهُ على منابر الثُغور، وفي 18 رجب 279هـ المُوافق فيه 14 أكتوبر 892م توفي الخليفة العبَّاسي وبُويع أبو العبَّاس أحمد بن طلحة بالخِلافة وتلقَّب بِلقب «المُعتضد بالله»، فجدد إعتراف الخِلافة بِولاية خُمارويه وولده طيلة ثلاثين سنة على المناطق التي سيطر عليها، وتمَّت مُصاهرة بين البيتين العبَّاسي والطولوني، إذ زوَّج خُمارويه ابنته قطر الندى للخليفة المُعتضد.

كتب: مصطفى خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى