من فات قديمه

الرشيد ونقفور .. معارك العزة

كانت للدولة العباسية عدة معارك ضد الإمبراطورية البيزنطية ، وانتهت معظمها بالنصر القوي الساحق للعرب على الروم ، ومن ضمنها أحداث هذه المعركة التي اعتبرت إحدى الدروس التي لقنها العرب للروم ، إذ كان على رأس الدولة العباسية آنذاك الخليفة هارون بن محمد الرشيد ، الذي كان عصره هو أوج قوة دولة بني العباس ، حيث الرخاء الكبير ، واعتبر جيش الخلافة العباسية في ذلك الوقت في أفضل حالاته وفي قمة قوته.

أما في الناحية الأخرى ، في داخل الإمبراطورية البيزنطية ، إعتلى العرش إمبراطور جديد طموح ، والذي يسعى أن يقوي الدولة ويعيد أمجادها ويعكس الفتوحات العربية ، وكان إسمه نقفور الأول.
فكيف ستسير هذه المعركة؟

اليوم سيأخذكم “آدم” في رحلة مثيرة للغاية ، وسيقص لنا قصة تعبر عن القوة والعزة والفخر التي يتميز بها العربي في وقت الأخطار.

الأسباب:

بعد عدة فتوحاتٍ عباسيةٍ في آسيا الصغرى اضطرت الإمبراطورة إيرينيي أن تجنح للسلم وتطلب صلحاً لأربعة أعوامٍ من الخليفة هارون الرشيد ، وبموجبه تقرّر تبادل الأسرى وتوقّف العباسيين عن غزو الأراضي البيزنطية مقابل عودة بيزنطة لأداء الجزية السنوية وفق الشروط التي كان متفقاً عليها في هدنة الثلاث السنوات السابقة التي تلت أول حملةٍ واسعة النطاق شنها هارون الرشيد عام 782م والتي حاصر فيها القسطنطينيّة.

وبعد عزل إيرينيي في أكتوبر802م، وتَولي قائد الجيش الحكم باسم نقفور الأول، مفتتحاً عهد الأسرة المقدونية، فبدأت الغارات والمناوشات العسكرية تشتد وتستعر.
ويبدو أنه كان عدوانياً محباً للحرب فوفقاً لمصدر سرياني فقد قام إلبيديوس أحد النبلاء البيزنطيين المنشقين اللاجئين إلى الدولة العباسية بعد علمه بتولي نقفور الأول بتحذير والي منطقة الجزيرة الفراتية العليا ناصحاً إياه أن يدع لباس الحرير ويتأهب لما هو قادم.

عملة-عصر-نقفور
عملة سكت في مدينة القسطنطينية في عهد الإمبراطور نقفور الأول

ابتدأ نقفور سياسةً عدوانيةً فقد كان -كمغتصبٍ للعرش- بحاجةٍ للشرعية التي تعضد حكمه، وارتأى تحقيقها عبر نصرٍ على العدو التقليدي لبيزنطة ألا وهو العرب.

يرى البعض أن نقفور كان مصممًا على إعادة ملء الخزينة الإمبراطورية من خلال عدة تدابير ، أبرزها وقف أداء الجزية، بل ذهب أبعد من ذلك فطلب استرداد الجِزى التي أدتها إيريني بحجة أنها إنما فعلت ذلك ضعفاً منها لأنها امرأة تلميحاً إلى حاكمٍ جديدٍ وسياسةٍ جديدةٍ، لكنّ كتابه الفظ شديد اللهجة الذي أرسله إلى الخليفة يوضّح بجلاءٍ أن هدفه الفعلي استثارة حفيظة ساسة الدولة العباسية أكثر من حقيقة عَوَزه للمال، فقد كان بمنزلة نذر حربٍ، إذ توعّد العباسيين صراحةً بالحرب إن لم ينزلوا على شروطه التي لايُتصور قبولها:
“من نقفور ملك الروم، إلى هارون ملك العرب،
أما بعد..
فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتكَ مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البَيْدق، فحملت إليكَ من أموالِها ما كُنتَ حَقيقاً بحمل أمثالها إليها، لكن ذاك ضعف النساء وحُمْقُهن، فإذا قرأتَ كتابي، فاردد ما حصل قِبَلك من أموالها، وافتدِ نفسك بما يقع به المصادرة لك، وإلا فالسيفُ بيننا وبينك”.

ما إن قرأ الخليفة الكتاب حتى غضب غضباً شديداً، “واستعجم الرأي على الوزير أن يشير عليه” على حد وصف الطبري (توفي 320هج)، فدعا بدواةٍ وكتب على ظهر الكتاب رسالةً مُختصرةً غدت مضرب المثل:
“بسم الله الرحمن الرحيم
من هارون أمير المؤمنين، إلى نقفور كلب الروم،
قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام”.

الرد:

ولم يتأخر هارون الرشيد في تنفيذ وعيده. فلقد شنّ الجيش الإسلامي هجوماً على كابودكيا بقيادة إبنه وحاصروا العديد من الحصون الحدودية وحرروا أكثر من 300 مسلم كانوا في أسر البيزنطيين.
لكن الرد الأقوى كان أواخر عام 803م عندما ترأس الخليفة الرشيد بنفسه جيشاً جرارا وهاجم الأناضول فحاصر حصن هرقلة المنيع. هبّ نقفور لإنقاذ الوضع فانتقل إلى الأناضول وبعد شهرين من المفاوضات مع الخليفة تم التوصل لوقف الأعمال الحربية مقابل دفع الجزية مجدداً.

درهم عربي سك في عهد الخلافة الراشدة

ويقول المؤرخون المسلمون أن الإمبراطور نقفور الأول لم يلتزم ببنود الإتفاق وحاول الالتفاف عليه مستغلاً انشغال الخليفة الرشيد بمعالجة الاضطرابات التي حصلت يومذاك في خراسان.
فلقد قام الإمبراطور نقفور الأول بتقوية القلاع والتحصينات الحدودية وقامت القوات البيزنطية بشن العديد من الغارات على الأراضي الاسلامية الواسعة التي كانت تحت حكم الخليفة هارون الرشيد.

في عام 806 م حزم الخليفة الرشيد أمره وقرر وضع حد نهائي لهجمات نقفور الأول.
فقام على رأس جيش ضخم قوامه 135,000 جندي بشن هجوم مباشر على الأراضي البيزنطية فاحتل حصن هرقلة الشهير وغيرها الكثير من التحصينات والقلاع.
عندها رأى الإمبراطور نقفور أن ميزان القوى لم يعد لصالحه وأنه من شبه المستحيل أن يتمكن من الوقوف في وجه الرشيد فطلب الصلح. وبعد مفاوضات مضنية وطويلة اتفق الطرفان على هدنة تم بموجبها تبادل الأسرى لكن بعد فرض شروط قاسية على الإمبراطور نقفور الأول مقابل انسحاب جيش الخليفة الرشيد من الأراضي البيزنطية التي احتلها.
فبالإضافة إلى الالتزام بدفع الجزية، تعهّد نقفور بعدم إعادة بناء وترميم القلاع والحصون التي احتلها جيش الرشيد بعد الانسحاب منها.

كتب: مصطفى خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى