مقالات حره

“إنني أعمل يا أبي”.. منحوتة ديفيد

يقول نقاد فن النحت بأن “تمثال ديفيد – النبي داود” لمايكل أنجلو هو أعظم إنجاز بشري على الرخام الخام”.

فما قصته وما السبب الذي جعله أعظم إنجاز بشري؟

“آدم” سيأخذكم في جولة للتعرف على حكايته.

تمثال ديفيد الذي تم نحته وتشكيله من مجرد صخرة رخامية مليئة بالعيوب سنة 1550 .
هو من الصخرة التي رفض لمسها جميع نحاتي إمارة فلورنسا وصناعها.
كانت كتلة هائلة الحجم، ارتفاعها سبعة أمتار حتى وقف أمامها العبقري “مايكل أنجلو” آنذاك وهو في بدايته الفنية.
مايكل أنجلو الذي رأى في الصخرة تحدٍ يستحق المغامرة رغم تنكر أبيه وعائلته لصنعة ابنهم التي لا تدر عليه فلسًا.
التحدي الذي جعل مايكل أنجلو يذهب كل صباح إلى حيث تجثم الصخرة في إحدى الورشات المتخلى عنها يقضي سحابة يومه وهو يحدق فيها فقط ولا يلمسها.
ظل على حالته هذه لمدة أربعة أشهر وفي كل مساء يعود إلى منزل أبيه لتناول الحساء ويعود صباح اليوم التالي..!!
ذات ليلة، سأله والده متبرماً ومستهزئاً عن سر قعوده جنب الصخرة دون أن يصنع شيئًا عكس أخيه الذي يشقى طول النهار لكسب قوت يومه.
نظر نحوه أنجلو مستغرباً وقال له قولته الشهيرة: “إنني أعمل يا أبي!”.
بعد انقضاء ثلاث سنوات أفرج مايكل أنجلو الستارة عن منحوتة ديفيد.

نعم؛ هكذا ظل النحات أنجلو يكدح في هذه المادة القاسية بإزميله لعامين ونصف العام؛ حتى انتزع منها بجده وعبقريته هذا النصب الذي يحاكي طراوة اللحم البشري بالرخام الخام.
عبقرية يقف العقل البشري حائرًا أمامها.
المميز في مايكل أنجلو أن له فلسفة في النحت.
هو يرى أن كل صخرة حبلى بصورة تمثال؛ فما على النحات إلا أن يزيح السطح عن التمثال…!!
وككل مجد عاب النقاد يومها لاسيما الحساد منهم، أنف التمثال فصعد أنجلو ومعه حفنة من الرخام وألقاها على الأرض متظاهراً بإصلاحه سخريةً منهم.

لتمثال داود رمزية ثورية يومها فهو رسالة واضحة من إمارة فلورنسا إلى روما التي كانت تعد الحرب للهجوم عليها.
فكانت المنحوتة رسالة لأهل مدينته مفادها رفع التحدي في رد عدوان روما مجسداً في منحوتته شخصية سيدنا داود .
لكون داود النبي الذي حارب جالوت بفئة قليلة انتصر عليه رغم قوة جالوت وجبروته…!!
وفي هذه الرمزية يقول المولى عز وجل في سورة البقرة :
( قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ).

كتبت: صابرين الهلالى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى