من فات قديمه

الحشاشين طائفة أرعبت كل أعدائها

في زمن ملئ بالأحداث السياسية المضطربة داخل العالم الإسلامي، تواجدت خلافتان، الأولى عباسية معروفة ولها الأحقية في اتباع المسلمين لها، والأخرى فاطمية عبيدية والمشكوك في أصلها ونسبها، والتي تمتلك أفكاراً باطنية منافية للعقل والدين، في هذا الزمن تواجد كذلك خنجراً أوروبياً والذي أحدث داخل العالم الإسلامي جرحاً عميقاً، واستطاع أن يكون دولة في إحدى أطهر وأنفس وأقدس البقاع العربية، ألا وهو بيت المقدس.

وفي ظل هذا الصراع الكبير ظهرت طائفة من رحم المذهب الإسماعيلي الباطني، هذه الطائفة قادت عمليات في غاية الحساسية وفي قلب صفوف أعدائها ألا وهي طائفة الحشاشين ، والذين استطاعوا أن يغتالوا كل منافسيهم تقريباً.

ويصدقكم “آدم” القول أنه الآن ينتابه القشعريرة بينما يستعد لكي يقص لنا هذه القصة الكبيرة، المليئة بالأحداث والدماء على حد سواء.

 

ما قبل البداية:

في عام 487 هـ توفي الخليفة الفاطمي معد بن علي المستنصر بالله، وكان له ولدان الأول هو نزار بن معد المصطفى لدين لله وأخيه الصغير أحمد المستعلي بالله.

وحسب الأعراف المتبعة أن من يخلف الأب هو الابن الأكبر، إلا أن وزير الدولة الأفضل شاهنشاه بن بدر الدين الجمالي الأرمني كان له رأياً أخر، فبضغوط كبيرة وشديدة لكي يتم نقل البيعة إلى أحمد المستعلي.

وقد نجح الأفضل في مسعاه، وبويع المستعلي بالخلافة، ونتج عن ذلك الشقاق في داخل المذهب الإسماعيلي، حيث انقسم الإسماعيليون على أنفسهم واصبحوا فرقتين، الأولى تتبع المستعلي ولها اليد العليا حيث استطاعت أن تتولى مقاليد الأمور في القاهرة وتزعمها الوزير الأفضل.

والأخرى تتبع نزار المصطفى وهي المهزومة الهاربة من مصر وزعيمها الحسن بن علي الصباح الحميري.

 

شيخ الجبل:

كان الحسن الصباح أحد القادمين إلى مصر لكي يتمم دراسة المذهب الإسماعيلي، وعاش في القاهرة لبعض الوقت، وهذا كان في زمن الخليفة المستنصر.

وكان الحسن من المكروهين لدى رجال الدولة، ولا سيما بدر الدين الجمالي، فسجن ثم طرد من مصر على متن مركب للفرنج إلى شمال أفريقيا، لكن المركب غرقت في الطريق فنجى الحسن فنقلوه إلى سوريا ثم تركها ورحل إلى بغداد ومنها عاد إلى أصفهان.

وتنقل حسن الصباح داخل بلاد فارس مستكشفاً لها لمدة تسعة سنوات، حتى بدأ دعوته في إقليم الديلم ومازندران وقد كان لها بعض النجاح.

وقد كان الحسن يتفادى المدن في تنقلاته ويفضل أن ينتقل عبر الصحراء، حتى استقر في دامغان وحولها قاعدة له يبعث منها الدعاة إلى المناطق الجبلية لجذب السكان من هناك.

واستمر بذلك لمدة 3 سنوات حتى انكشف أمره وأمر الوزير السلجوقي نظام الملك قوام الدين الحسن بن علي الطوسي باعتقاله، ولكنه فلت وهرب إلى قزوين.

ولم يكن كل هم الحسن في تنقلاته هو نشر دعوته وكسب الأنصار فحسب، بل أيضاً للعثور على مكان مناسب يحميه من مطاردة السلاجقة ويحوله إلى قاعدة لنشر دعوته وأفكاره.

وقد عزف عن المدن لانكشافها، لذا لم يجد أفضل من قلعة الموت المنيعة، فهي حصن قديم فوق صخرة عالية وسط الجبال على ارتفاع 2,100 متر (6,900 قدم).

وبنيت بطريقة أن لا يكون لها إلا طريق واحد يصل إليها ويلف على المنحدر مصطنع (المنحدر الطبيعي صخوره شديدة الانحدار وخطرة)؛ لذلك أي غزو للحصن يجب أن يحسب له لخطورة الإقدام لهذا العمل.

وقصة دخول حسن الصباح هي كما ذكرها ابن الأثير: أن الحسن الصباح كان يطوف على الأقوام فلما رأى قلعة ألموت واختبر أهل تلك النواحي، أقام عندهم وطمع في دعوتهم ودعاهم في السر وأظهر الزهد ولبس المسح فتبعه أكثرهم وكان العلوي صاحب القلعة أحسن الظن به فكان يجلس إليه يتبرك به فلما أحكم الحسن أمره دخل يومًا على العلوي بالقلعة فقال له ابن الصباح : اخرج من هذه القلعة فتبسم العلوي وظنه يمزح فأمر ابن الصباح بعض أصحابه بإخراج العلوي فأخرجوه إلى دامغان وأعطاه ماله وملك القلعة.. وقيل أنه اشتراها منه ب 3000 دينار ذهب، وبذلك أصبح سيّداً لقلعة ألموت، ولم يغادرها طيلة 35 عاماً حتى وفاته.

وكانوا بهذه الفترة يمثّلون امتداداً للدولة الفاطمية في القاهرة قبل حدوث الانشقاق.

 

الصراع مع بني سلجوق:

بمجرد أن سيطر حسن الصباح على قلعة ألموت بدأ بنشر دعاته في جميع أرجاء فارس السنية التي كان سكانها يتذمرون من الحكم السلجوقي للبلاد.

فأرسل دعاته إلى كوهستان، وهي منطقة جبلية قاحلة -تقع على الحدود بين إيران وأفغانستان الحاليتين- وقد تحوَّل الأمر في كوهستان إلى ما يشبه الثورة الشعبية أو حركة استقلال من الحكم السلجوقي.

فقد هبَّ الإسماعيليون في ثورات صريحة في كثير من أنحاء الإقليم وفرضوا سيطرتهم على عدة مدن رئيسية وهي شوشان وقعين وطبس وتون وأخريات.

وسرعان ما انتشرت الدعوة في منطقة رودبار المجاورة لقلعة ألموت وحققت نجاحاً لا يقلّ عن مثيله في كوهستان.

وكانت المناطق الجبلية ذات ميزة واضحة للتوسع الإسماعيلي. وهناك مناطق مماثلة تقع في الجنوب الغربي لإيران في المنطقة بين خوزستان وفارس حيث البلاد المنيعة والسكان الساخطون على الحكم السلجوقي والتراث المحلي الموالي للشيعة والإسماعيلية.

وقد أثار هذا الانتشار السريع والانتفاضات على السلطة السلجوقية عظيم القلق عند السلطان السلجوقي ملكشاه ووزيره نظام الملك.

ولم يتأخر السلاجقة في مواجهة هذا التمرد عسكرياً ففي سنة 1092 م قام السلاجقة بتحشيد جيوشهم، وفرضوا الحصار على قلعة ألموت معقل الدعوة الإسماعيلية وهاجموا منطقة كوهستان.

ويذكر أحد المؤرخين أن الحسن الصباح لم يكن معه في قلعة ألموت أكثر من ستين أو سبعين شخصاً في ذلك الوقت، ولكنهم نجحوا في صدّ مُحاصريهم، وفي إحدى ليالي سبتمبر من نفس السنة هاجم سكان رود بار بشكل مفاجئ الجيش السلجوقي؛ مما أدّى إلى انسحاب الجيش وانتهاء الحصار عن ألموت، ثم ارتفع الحصار في كوهستان عندما وصلت أخبار وفاة السلطان ملكشاه ولم يحقق السلاجقة أيّاً من أهدافهم.

وفي تلك الأثناء أُحرِز أول نصرٍ كبير لهم. وكانت ضحيتهم الأولى الوزير نظام الملك، حيث تقدّم أحد الفدائيين الإسماعيليين وهو مُتخفٍ بثياب الصوفيين نحو محفة الوزير الذي كان محمولاً ومتجهاً إلى خيام حريمه، فهاجم الوزير وطعنه فمات الوزير وقُتِل المهاجم.

ودخل الحسن بن الصباح وطائفته في صراعات قوية مع خلفاء ملكشاه.

تمكن فيها السلاجقة من تحقيق انتصارات واسعة أفضت في النهاية إلى الحد من انتشار المذهب الإسماعيلي في فارس، فما كان من شيخ الجبل إلا أن يتوسع خارج فارس وبالفعل كانت هناك مجموعة صغيرة من أتباعه برحلة طويلة خطرة عبر أراضي العدو نحو الغرب.

وكانت الشام هي وجهتهم، وكان هدفهم نشر “الدعوة الجديدة” في تلك المنطقة، لتبدأ مرحلة جديدة وصراعات جديدة لطائفة الحشاشين.

 

 

 

كتب: مصطفى خالد

زر الذهاب إلى الأعلى