ابداعات قلمالفن السابع

أنا مولود سنة 80

استطاعت سنوات العمر الهروب سريعا بين أصابع الزمن، وحاولت الأيام وضع بصماتها على ملامح البشرة، وغيرت في لون الشعر، وحتى شباب القلب اقترب الشيب منه وأتى عليه، وأصبحت الدهشة صديقتي أمام أمور عدة من موضات الملابس، وأشكال تسريحات الشعر، بل زادت عندما تسمع أذني كلمة “عمو” من شاب أطول مني”ولكن يبدو أن الأمر ليس بالأمتار”.

مظاهر عدة تظهر جلية أمامي لتفرض علي واقع أنني أصبحت أربعيني العمر، ولكن ليس أي أربعينيا، أنا مولود سنة 80 ، هذه حقيقة أنا مواليد شهر نوفمبر من عام تميز مواليده بملامح خاصة معيشيا وثقافيا واجتماعيا وثقافيا، فقد كنا بعد جيل من عظماء الكتابة والثقافة في الوطن العربي، كنا بعد جيل تربى على كتابات توفيق الحكيم، وطه حسين، وعباس العقاد، وبيرم التونسي، وصلاح عبد الصبور، والعديد من أسماء لن يحتمل قدرهم كتب وليس مقال واحد.

جيل درس في مناهج المدرسة نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، وشعر إبراهيم أبو سنة، عاصرنا احترام المدرس واحترام العلم، جيل كان يقول “أنا في مدرسة الشهيد محفوظ خمسه أول”، ولأول مرة تكون شهادة ويلغى الصف السادس الابتدائي، كنا لانعرف كلمة مدرسة خاصة أو لغات إلا حالات نادرة، أيضا طبق علينا نظام التحسين في الثانوية العامة.

كنا نحلم “بأستيكه بريحه” و ” أستيكه تمسح القلم الجاف” لتخبرنا الأيام أن تجاربنا القاسية لا تمحى من جباهنا، كنا نستيقظ صباحا نرتدي زي مدرسي بسيط جميل”كنا آخر من لبس المريله”، وأول من لبس القميص والبنطلون، كنا أيضا آخر من عاصر “الكُتاب” وآخر من ذهب للحضانة، التي تغيرت مع الزمن لتصبح “كي جي”، عاصرنا القرش صاغ والقرشين، والشلن والبريزه مصروف الإبتدائي.

جيل داعبت مشاعره، وأجرت الدموع على وجهه أغنية حمزة نمرة”مولود سنة 80” أغنية لحنها و كلماتها أظهرت مشاعر متداخلة مابين الحصرة، والحزن، والحنين، والندم، قد تكون كلماتها ليست عميقة المعنى، ولكن وقعت ببساطتها لتذكر جيل كامل بحقيقة عمره، حقيقة قاسية، جيل أثبت بتصدر الأغنية التريند في محركات البحث تأثيره وكثرة عدده، أصحابه هم الشباب الكهول، مروا بالكثير من التجارب القاسية، وعاشوا ذكريات جميلة.

سنة80 هي أكثر فترة لها جروبات على السوشيال ميديا، واتس آب، فيس بوك، تويتر، تميز مواليدها بحب فنانين مرحلة الوسط بين الغناء والتمثيل، لم يتعلموا الحب من عبد الحليم حافظ، بل من هاني شاكر، ومحمد الحلو، وعلي الحجار، عشقوا سماع عمرو دياب، ومصطفي قمر، ومحمد منير، وحنان، وأنغام، أولاد اعتادوا “التريقه” على الأغاني

“لولاكي لولا لولا لولا وعنيكي حولا حولا حولا”

“رسمتك جمب طبق الفول زتونه والليمون معصور” وكل الأغاني المشهورة وكانوا هم أصحاب الريادة في ذلك، شباب ارتدوا جميعا تيشيرت عمرو دياب في أغنية تملي معاك، تابعوا الأغاني الجديدة في برنامج أماني وأغاني، غنوا إعلانات مثل “محمود إدا يا محمود” و”نموس عمال يقرص يا أخويا مش عارف أنام منو يا أخويا”، كانوا يذهبون للأفراح لمشاهدة”المنلوجست”، ومطربين الأفراح، انبهروا بال”دي جي”، تعلموا من يوميات ونيس، سمعوا كلام أبله فضيلة، ضحكوا على عادل إمام، شاهدوا بداية هنيدي، وأحمد حلمي، وبرنامج كلام من دهب، والكاميرا الخفية.

طلاب هربوا من المدرسة للعب الماريو، والأتاري الطيارات والفيديو جيم، والكرة، شاهدنا الأفلام في السينما، عشقوا الفيلم الهندي في العيد، ارتدوا قصمان وتيشرتات جانات عصرهم حميد الشاعري ومصطفي قمر وإيهاب توفيق، طلاب حلموا كثيرا اصطدموا بصخور التنسيق في الثانوية العامة، وذهبوا لكلياتهم مجبرين، تقذافتهم أمواج المادة ليبتعدوا عن أوطانهم وأهلهم وتخصصاتهم، خط الشيب رؤوسهم، بل أصبح الصلع عندهم بديل الطربوش، تزوج أغلبهم بعد سن الثلاثين وسط غلاء المعيشة، أصبح الأن من الماضي، حاولوا كلهم في جميع الوطن عمل جروبات لفصولهم الدراسية في المدرسة في عامهم الأربعين ليحاولوا تجميع بعض مشاعرهم الضائعة، سعوا جاهدين لتجميع أنفسهم ليتجاذبوا أحاديث الماضي الشيقة، جمعتهم صفحات الفيس بوك، والواتس آب، والمقاهي ، ظنا منهم أن الماضي سوف يعود لتصدمهم الحقيقة “لم نعد نحن كما كنا” أصبحوا غرباء داخل أنفسهم، اكتشفوا أنهم لا يملكون سوا صداقات الماضي الجميل وكل حاضرهم هو زيف المصالح وقبح المادة.

نحن رجال دمعت عيوننا من مطرب ذكي استطاع أسر قلوبنا بصوت ولحن صادم وجميل، و كلمات أغنية ختمت عامهم الأربعين بدموع التأثر من مواجهة الحقيقية، بدأت الأغنية ب”تنفك اللعبة مني وأرجع أصلحها تاني” ونحن فشلنا في إصلاح ما افسدته أخطاءنا وجراح الزمن، كلمات ذكرت بشكل سريع صراع العقل والقلب الذي حير نفوسنا كثيرا، أغنية جعلتنا نري أنفسنا شبابا كهولا، نحزن عند مواجهة واقعنا، نعشق عام ميلادنا أكثر من غيرنا ننتمي له جدا، أصبح هوية وملمح، أكثر تاثيرا في كل المجالات نقاتل عجزنا نتغلب على غربتنا، عن مجتمع احتلته التكنولوجيا، ونحن أقصي العباقرة في زمننا امتلك الكمبيوتر”صخر” ودرس البيزك واللوجو، بأصدقاء الماضي ومواليد نفس العام أو ما حوله ليلمسوا بعضا من رائحة الزمن الجميل.

عظماء ضاعوا أثناء بحثهم عن تحقيق ذاتهم المفقودة، تاهت أعمارهم بين أحلام ضائعة وواقع قاسي جاف وماضي انتهي بحنين خفي لزملاء ومقربين ماتوا مع أجزاء من قلوبنا، عانوا من أزمات نفسية تكالبت عليهم لتغير حقيقتهم الثابتة، سنوات هربت بقسوة محولة ملامحهم لتفاصيل غريبة تنطق بالأسى والإفتقاد، نسينا أعمارنا فنسينا الحياة، الموت لم يعد يخيفنا فلقد قتلنا مرات عديدة من قبل، نحن لا نخاف، الخوف يرتعد من تجاربنا، نهتم بمقابرنا لأننا اشتقنا لأحبائنا فمرحبا بالألم والموت وقتما يشاء.

هنيئا لأغنية أثارت داخلي حنين قوي لعام مولدي، وحزن على ضياع سنوات العمر، وأحلام الماضي، الذي أصبح جزءا منه، وسلاما عليكم كل شركاء الماضي الجميل، وعامي العزيز.

كتب:محمد بلال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى