من فات قديمه

الخليفة المثمن

أسمعتم من قبل عن لقب مثل هذا؟ هل تعلمون من هو حامل هذا اللقب؟ هل تعلمون لماذا لقب بهذا الإسم؟ لا يظن آدم ذلك، لذا سيعرفكم على صاحب هذا اللقب.

هو أمير المؤمنين أبو إسحاق محمد بن هارون المعتصم بالله العباسي القرشي، خليفة المسلمين وإمامهم، تم تلقيبه بالخليفة المثمن بسبب الرقم 8 الذي لعب دوراً مهماً في حياته، حيث كان المعتصم ثامن خلفاء بني العباس، ولد في الشهر الثامن، أي شهر شعبان، ودامت خلافته 8 سنوات و8 أشهر، شهد خلالها 8 فتوحات عسكرية، وأنجب 8 أبناء من الذكور و8 أبناء من الإناث، وتوفي عن عمر يناهز 48 عاماً.
ولكن هذا لا يكفي يا آدم نريد أن نعرف أكثر، فهذه الشخصية تستحق الذكر، فلتكمل لنا أخبار الخليفة المعتصم؛ حسناً، سنأخذكم في رحلة شيقة لكي نتعرف على هذه الشخصية، فلنربط أحزمتنا لنبدأ تلك الرحلة.

صفاته:

كان المعتصم بالله أصهب الشعر واللحية، أشهب الوجه، ذو قوة مفرطة وهمة عالية، وشجاعاً مثل الليث، كانت علته أنه لم يحسن القراءة والكتابة كثيراً، ومع ذلك كان مثل أجداده فصيح اللسان مهاباً، حتى قيل أنه كان الأكثر مهابةً بين بني العباس أجمع.

ما قبل الخلافة:

كان المعتصم بالله فارساً قوياً لا يشق له غبار، وكان متولياً نيابة أخيه في الشام ومصر، وكان يشارك في الحملات العباسية على عدو المسلمين الأزلي الدولة البيزنطية، لذلك عندما أحس أخيه عبد الله بن هارون المأمون بدنو أجله بايعه ولياً لعهده، وذلك كان لقرب المعتصم لقلب أخيه الكبير، ورغم ذلك لم يكن سلطان القلب هو الفيصل في قرار المأمون بل كان معرفته بأن المعتصم أهلُ لمصاعب الحكم. وتوفي المأمون بمدينة طرسوس في 19 رجب 218 هجرياً، وبويع بالخلافة ولي عهده المعتصم في نفس اليوم.

خلافته على المستوى الحضاري:

استمرت عمليات الترجمة والنهضة العلمية في عهده كما افتتحها سلفه المأمون، غير ما ميز عهد المعتصم هو اهتمامه باقتناء الجنود الأتراك بجلبهم من مناطق آسيا الوسطى كسمرقند وخوارزم، ولقد ملأ الجنود الأتراك بغداد حيث بلغت أعدادهم ما يقارب بضعة عشر ألفا، أدى ذلك إلى التضييق بأهل المدينة، واضطر الخليفة نتيجة لذلك إلى الانتقال إلى مدينة سامراء التي بناها على بعد 100 كيلومتر شمالي بغداد، لتكون عاصمة له ومقرًا لجيوشه التركية من المماليك والأحرار، ويرى المؤرخون أن ميل المعتصم للأتراك يرجع إلى كون والدته تركية، كما أراد أن يحد من المنافسة الشديدة التي كانت قائمة بين العرب والفرس في الجيش والحكومة.

إخماده للثورات والفتن:

ورث المعتصم عن أخويه محمد الأمين وعبد الله المأمون بعض الثورات التي استعصت عليهما، وكات أولهما هي ثورة الهنود الزط، وهم أناس من أصول هندية أو من السند وقد نزحوا في أيام الجاهلية إلى فارس، ثم إلى ثغور الخليج العربي، وكانوا ذوي بشرة سوداء، وكان الناس شديدي الكره لهم لما فعلوه في حروب الردة في عهد أبي بكر الصديق، حيث كانوا من المعينين للمرتدين وتمت هزيمتهم فيها، واندلعت ثورتهم أثناء الحرب الداخلية بن الأمين والمأمون. وكانت ثورتهم تهدد مرافق الدولة في جنوب العراق، حتى تمكن القائد العربي عجيف بن عنبسة من القضاء عليهم سنة 220 هجرية وأجلاهم المعتصم إلى الأناضول.

لعلّ قضاءه على ثورة بابك الخرمي، التي أسست دولة شاسعة في أذربيجان وجوارها منذ عهد المأمون كانت من أبرز أعماله؛ إذ إن بابك الخرمي قد مزج بين الإسلام والمجوسية، وأسس الخرمية هجينًا وعمد إلى إصلاحات اقتصادية واجتماعية جذرية ما ساهم في بقائه عصيًا على الدولة العباسية عشرين عامًا، قضى عليها القائد حيدر بن كاوس “الأفشين”.

ثم قامت ثورة أخرى بقيادة محمد بن القاسم وهو شيعي على المذهب الزيدي، إذ كان مقيمًا بالكوفة، ثم خرج منها إلى الطالقان بخراسان يدعو إلى الرضا، فاجتمع إليه أناس كثر، فاهتم لأمره عبد الله بن طاهر بن الحسين أمير خراسان وبعث له جيوشًا، وقامت بين الفريقين وقعات بناحية الطالقان انتهت بهزيمة محمد بن القاسم وفراره إلى كور خراسان في مدينة نسا غير أن واليها أمسك به وبعثه إلى المعتصم فقام الخليفة بحبسه، غير أنه تمكن من الفرار من السجن بمساعدة مجموعة من أنصاره، ولم يعرف عنه أي خبر بعد ذلك.

 

معاركه الخارجية الكبرى:

انتهز الإمبراطور توفيل بن ميخائيل البيزنطي فرصة انشغال الخليفة المعتصم في حربهِ ومطاردة الخرميين، فأغار على الحدود الإسلامية وهاجم مدينة زبطرة وهي أقرب الثغور الإسلامية إلى أراضي الدولة البيزنطية، فأحرقها وخربها وقتل رجالها وسبى نساءها وأطفالها، وقد غضب المعتصم لهذا الحدث، خصوصًا وأنه كان يعتز بهذه المدينة لأنها مسقط رأس والدته، ويذكر ابن الأثير أن امرأة هاشمية تدعى شراة العلوية أخذت تصيح عندما وقعت في أسر الروم (وا معتصماه) فضحك الجنود الذين أسروها وقالوا ساخرين: سيأتيكي المعتصم على حصان أبيض، فلما بلغ ذلك المعتصم قال غاضباً وبصوت عالي: لبيك يا أختاه، وأقسم بأن ينتقم من الروم وأن يخرب مدينة عمورية، مسقط رأس والد توفيل وأهم مدينة في آسيا الصغرى، وجمع المعتصم جيشًا كبيرًا بلغ تعداده خمسمائة ألف جندي وكانوا كلهم على فرس أبيض، وتولى قيادته بنفسهِ، كما ساعده كبار قادته حيدر بن كاوس (الأفشين) وأشناس، ويقال أن اسم عمورية كان منقوشًا على درع كل جندي في الجيش.

وتقدم المعتصم بجيوشه حتى التقى بجيش تيوفيل عام 838م فقامت بين الجيشين معركة انتهت بانتصار جيش المعتصم، ثم توجه بعدها إلى مدينة عمورية وضرب حصارًا عليها، وبعد الحصار الشديد تمكن المعتصم من اقتحام عمورية عنوة وتخريبها وأسر من فيها. ولقد حذر بعض المنجمون المعتصم وهو في طريقه إلى عمورية بشؤم الحرب، وأنه سيخسرها لظهور مذنب في السماء، وإن طالع السماء والنجوم تؤشر خسارته، فلم يهتم لأمر المنجمين وتوكل على الله وواصل سيره، ولقد وصف الشاعر أبو تمام ذلك بالقصيدة التي مطلعها:

السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب

وفاته:

في عام 227 هـ في أول محرم أصيب المعتصم بعلة طوال شهري محرم وصفر وقضى نحبه بعد ثماني ليال في شهر ربيع الأول، ولما كان على فراش الموت كان يقول: ذهبت الحيلة فليس لي حيلة، اللهم إنك تعلم أني أخافك من قبلي ولا أخافك من قبلك. وأرجوك من قبلك ولا أرجوك من قبلي، ثم نطق الشهادتين ولفظ أنفاسه الأخيرة.

وتولى بعد وفاة المعتصم إبنه الأكبر أبا جعفر هارون الواثق بالله، ليكون خليفة المسلمين وإمامهم من بعده، واستلم دولة قوية مهيبة مؤمنة بالكامل، بعد أن إستطاع والده أن يكسر كل شوكة للأخطار التي حدقت بالدولة العباسية.

 

كتب/ مصطفى خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى