مقالات حره

السفسطائيون وسقراط والنهج العكسي

المدرسة السقراطية

لم يكن في مخيلة سقراط حين بدأ يقف أعلى شعرة في فرو الأرنب الكبير أنه سيترك هذا الأثر وهذه المدرسة الفلسفية التي أحدثت نقلة في حياة أثينا الاجتماعية والسياسية، وإنه كذلك سيترك خلفه أعظم وأشهر فلاسفة اليونان وهو افلاطون تلميذه النجيب.

 

كان ما يعكر صفو فلسفة سقراط هم السفسطائيون، فهم أناس تعودوا بيع المعرفة مقابل المال حتى معرفتهم تلك كانت محدودة يلقنونها للجميع على حد سواء، كمدرسين في صفوف الدراسة لديهم نهج واحد يلقنونه لتلاميذهم دون أن يعوا أنهم يصنعون نسخاً مكررة من الأشخاص.

المدرسة السفسطائية

أما فلسفة سقراط فكانت تعتمد اعتماد كليا على: “إن المعرفة الحقيقية تأتي من الداخل” وهذا ما كان يفعله سقراط حينما تجده يترجل بين الناس في السوق أو الشارع، فيذهب لسؤال أحدهم عن شيء ما مدعيا عدم معرفته به، فيجيب الآخر عليه بشكل تلقائي فيعيد سقراط عليه سؤالاً آخر استخلصه من الإجابة السابقة فيجيب الرجل عليه ثانية… وهكذا.

وهذا ما كان يجعل الناس تنقسم إلى نوعين إما أشخاص واعين تفتحت مكامن الإدراك والتفكير في عقولهم وبدأوا يتحدثون بمعرفة داخلية لم يكونوا على علم بها إلا بالسؤال، أو اشخاص استفزتهم سخرية سقراط كونه يدعي عدم المعرفة والجهل.

سقراط وسط الناس في الساحات والشوارع والاسواق

تنقلنا فكرة سقراط الرائعة في استفزاز عقول البشر ليتنبهوا إلى أن المعرفة تأتي أولاً من داخلنا إلى فكرة ثانية أروع وأنبل وهي الفكرة التي تجعل الشخص حقاً فيلسوفاً وهي: ” إن الأكثر ذكاءً هو الذي يعرف أنه لا يعرف”، وهذا ما كان يحيا به الفيلسوف وينشر مدرسته الفلسفية في كل اثينا.

كان يقول سقراط إنه يعرف القليل وأحياناً أنه لا يعرف شيئًا، وهذا ليس لقلة علمه ولكن لأنه متأكد أن هناك علوم كثيرة لم يتحصل عليها بعد، وإن كوامن الإنسان تحتوي معرفة عظيمة تنتظر فقط من يستفزها للخروج فكان يردد دائماً: تشبه اثينا حصاناً كسولاً وأنا أشبه ذبابة تحاول ايقاظها وابقاءها حية.

كان مبدأ سقراط في معرفة أنه لا يعرف يوضح مبدأ السفسطائيين الذين كانوا يدعون دوماً معرفتهم بكل شيء وأي شيء، فجعجعتهم الفارغة وتبجحهم بالمعرفة بأشياء لا يعلمون عنها حقيقة سوى الاسم؛ جعلت فلسفة سقراط تأخذ منحى قويا وقد مال إليها الاثينيين عند تعليمهم وتلقينهم الفتات المكرر على الجميع.

لم يكن سقراط ينشر فلسفته ويريد لسع مواطني اثينا كذبابة ثقيلة سوى شيء في نفسه، صوت يدفعه دوماً إلى عدم التخلي عن مبادئه صوت إلهي لا يدرى من أين يأتيه، فقط هو يشعر به داخله.. إنه صوت الضمير، فكان لا يسئ لأحد ولا يشي بمعارضين القضايا السياسية حتى إذا علم أين هم؟ وكان لا يصمت على الظلم وإساءة استعمال الناس سلطتهم و أدى هذا إلى محاكمته وموته.

سقراط مع تلامذته

ذلك الصوت الإلهي الذي يسمعه سقراط في أعماقه – الضمير- لم يكن لنشر فلسفته فقط، إنما استخلص سقراط أن هذا الصوت هو ما يجعلك تفرق بين الصواب والخطأ، الخير والشر، وهذا هو معيار البشرية الذي تُبنى على أساسه الأخلاق، وهذا أيضاً على عكس ما قاله السفسطائيون إن الأخلاق أو الحياء من فعل الخطأ هو سلوك مجتمعي لا فطري.

مثلاً يرى السفسطائيون أن لا حياء في ظهورنا عرايا، وأن هذا حق يمارسه المجتمع، وأن لا معايير محددة لوجود الحياء، على عكس سقراط الذي يرى أن الحياء نابع من صوت الضمير الذي يؤكد أن الظهور عارياً شيئاً غير مقبول وخطأ، كذلك أي فعل أخلاقي سيئ أو غير صائب كل هذا يصنعه الضمير هو بوصلة الإنسان للحياة بشكل أسعد وأكثر نبلاً، وفي هذا نتوصل للفكرة الثالثة لدى سقراط وهي “الرؤية الصحيحة للأشياء تقودك إلى الفعل الصحيح”.

ومن هنا نصل إلى معرفة أن السفسطائيين وسقراط لم يكونا مثل فلاسفة الطبيعة يهتمون بالكون وتكوينه فيزيائياً؛ بل يهتمون بالبشر والإنسان ومعرفته، وتعليمه وتكوينه، لكن كان سقراط هو الچوكر وسط أوراق اللعب المتشابهة، لقد كان الفيلسوف وسط المتبجحين هو الذي يعرف أنه لا يعرف سوى القليل، كذلك يعرف كيفية استفزاز الأشخاص لظهور المعرفة من كوامنهم العقلية بالسؤال الذي في إجابته سؤال آخر وسلسلة لا تنتهي من المعرفة.

كتبت/ إيمان الخطيب

زر الذهاب إلى الأعلى