ابداعات قلم

ثم أما قبل

نزل درجات السلم المتهالكة وهو يتمتم بكلمات أشبه بمربعات الكلمات المتقاطعة لم يفهم منها سوى إنه يوم ككل يوم ثم تنهيدة مع زفرة أسى تعكس اضطراب حركاته وسكناته.

– صباح الخير يا يوسف

كان الصوت مباغتًا رغم أنه الترنيمة اليومية لصاحب عربة الفول التي تتصدر المشهد في هذا الزقاق الذي تكاد جنباته تعجز عن السماح بمرور رجل وطفل وعنزة.

لم ينبس يوسف ببنت شفاه وكأنه تغافل حتى عن رد السلام.

هكذا اعتاد جيرانه تقضيب جبينه حتى إن بعضهم يردد دائمًا يوسف عبوس الوجه، كلما مر بأحدهم أو صادفه على قارعة الطريق.

شرع يوسف في انتظار حافلة عمله كان أشد ما يؤلمه سائق الحافلة الذي يردد دائمًا حينما يصعد يوسف:

“تعرف يا أستاذ يوسف كل يوم أدعو الله أن أصل إليك في موعدي، ولكن هيهات هيهات أن يصل في موعده مَن يتزوج أم السعد ويكون له خمسة من الولد ويسكن جحرًا يجاوره الثعابين والحيات”.

لم يكن يوسف يبالي بتلك المقولة التي سئم تكرارها وإن كانت نفسه تتوق إلى معرفة هل جيرانه بشر أم ثعابين حقيقية؟

جثم يوسف على أوراقه المهترئة ذات الرائحة التي تزكم الأنوف فوق كرسي خشبي، تتهدل منه بعض قطع لحم جسده المتعب وقد حشر بقية جسده خلف مكتبه العتيق الذي يتناغم مع حركاته وسكناته، فتصدر عنه أصوات يتسرب مداه إلى الطابق العلوي حيث يقبع مدير المصلحة الحكومية في هذا المبنى العتيق والذي يعجز فنانو عصر النهضة عن تحديد ألوانه المتداخلة.

– الشاي الأسود قليل السكر جاهز يا أستاذ يوسف…

أشاح يوسف بيده مشيرًا إلى عامل البوفيه إشارة ملأت صدره ضيقًا، فحمل كوب الشاي وعاد أدراجه يجر أذيال الخيبة.

– ضاعت الجنيهات الثلاثة، سامحك الله.

خلا يوسف بنفسه وسط هدير أصوات الموظفين والمتعاملين معه..

“رحمك الله يا أمي لقد طال غيابك خمسة أسابيع مضت ما غاب محياك عني، كيف تسارعت الأحداث هكذا، سعال،حرارة، غصة بالحلق.

منذ متى وهي تعاني سؤال الطبيب الذي وجد جوابًا سريعا من الجارة التي صاحبتها إلى الطوارئ في المستشفى الحكومي المجاور والذي تكتظ ممراته بالمراجعين.

– قالت الجارة بالأمس كانت تسعى في حارات السوق تبحث عما لذ وطاب من أجل وحيدها يوسف الذي ما زالت تراه طفلها المدلل.. فجأه بعد عودتها تدهورت حالتها سريعا فاصطحبتها إلى المشفى علها تجد الترياق الشافي لديكم.

تمتم الطبيب بعد نفس عميق:

“أم يوسف بحاجة إلى البقاء تحت الرعاية بالمشفى ولكن للأسف لا يوجد مكان، الحالات المتلاحقة احتلت كل بقاع المستشفى ولا أمل في دخولها قسم الرعاية”. 

دس الطبيب في يد الجارة وصفة طبية وبضع جنيهات، كان كعادته يمنحها للحالات التي يرق لها وهمس في أذن الجارة بأن تعود بأم يوسف إلى البيت سريعًا وتتصل بيوسف؛ حتى يحصل على إجازة من عمله؛ ليرعى أمه عساها تشفى من هذا الوباء.

أسرعت الجارة بالاتصال بيوسف من دكان البقالة.

وأوصت يوسف بالحصول على إجازة، وافق المدير.

عاد يوسف لكنه رأى طوقًا بشريًا من الجيران، حاول أن يخترقه بجسده النحيل ونجح في اختراق الحواجز؛ ليصل إلى أمه وقد ملأت أذنيه أسى وحزنًا جملة واحدة رددها الجمع المحتشد، البقاء لله.

كتب: هشام أحمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى