ابداعات قلم

رغبات محمومة

ظل رامي يلهث من شدة العطش، جف حلقه.

لماذا كل هذا الجدل؟

لا تكل ولا تمل، طالما نبهتها إلى عدم جدوى النقاش دون هدف ولكن لا حياة لِمَن تنادي.

عادتها منذ تعرفت عليها منذ اللحظة الأولى لفت انتباهي حدتها أثناء مناقشة الدكتور لرسالتها حول المعنونة ( المرأة كل المجتمع).

حاول الدكتور مرًارًا وتكرًارًا أن يثنيها عن عنوان الرسالة فقط العنوان دون اجتزاء من أبوابها لكن هيهات هيهات أنى له ذلك.

رباب ذات الخامسة والعشرين ربيعًا، صاحبة عيون المها، نجمة قسم الاجتماع بآداب القاهرة، خاب كل مَن حاول أن ينال تلك النجمة.

عندما رأتها عيناي لأول وهلة أثناء مناقشة رسالتها، لا أنسى تلك اللحظة حين قدمني لها الدكتور المشرف على رسالتها بكلمات مديح تنم عن روابط الصداقة التي تجمعنا قال بنبرة اعتزاز” الدكتور رامي صحيح هو معيد بقسم اللغات الشرقية لكنه على أعتاب الحصول على درجة الدكتوراة”. 

مدت رباب يديها لمصافحة سريعة، تنم عن تجاهل تام لشخصي المتواضع، هكذا بدت الأمور.

بعد حصولها على الماجستير تم تعيينها في قسم الاجتماع.

ومع دقات ساعة جامعة القاهرة ، كنت ألمحها بين الفينة والأخرى تخطو بجدية دون التفات لأحد.

هل تصبح رباب ذات يوم أمًا لأولادي؟

حادثت نفسي ومضى على سؤالي أعوام ثلاثة لم أجد جوابًا له سوى وعد أبيها بأنه سيطرح الأمر على ابنته رباب؛ ليتعرف على رأيها، طلب مني أسبوعين؛ ليرد على طلبي.

كنت أتعمد أن أظهر أمامها في أبهى حلة كلما سنحت لي فرصة رؤيتها في الجامعة مع تجاهل تام منها.

إنه اليوم الخامس عشر، مضت الأيام بطيئة على غير العادة، في طريقي للبيت مررت على مكتب المستشار رياض والدها.

– ياله من خبر رائع رباب رياض وافقت أن أصبح لها زوجًا!

– قاطعني صوت أبيها الخشن، شريطة أن تكون العصمة بيدها.

– جاء ردي سريعًا دون تفكير : بيدها، بقدمها، برأسها لا فرق عندي. 

على عجالة من أمري، اصطحبت أمي إلى دارهم ولم ألتفت إلى قولها.

يا بني العصمة في يدها، كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟

تساؤلات أمي لم أعرها انتباهًا، فقط جملة واحدة لم أفصح عنها لأمي.

حضرني جزء من بيت أبي فراس الحمداني، ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر.

وافقت دون نقاش على كل طلبات عروسي الحسناء دون جدل أو مراء.

لحظات تعجز كلماتي عن وصفها، سعادة الظفر بمَن تحب لا يدركها إلا مَن أحب.

نعم لقد أضاءت رباب حياتي، فانقشع منها ضباب الحزن والأسى، عشر سنوات مضت لم يعكر صفوها سوى تلك الليلة، ليلة أمس حين باغتتني رباب بجملتها الصاعقة، “رامي لقد حانت لحظة الفراق” .

داعبتها وأنا أربت على كتفها هل حقًا ستقبلين بالسفر إلى بريطانيا للعمل في جامعة كامبريدج؟

هزت رأسها.

– قلت كيف؟ ألم تفكري في رامي! ألا يجول في خاطرك؟

– “ما قد يصيب أبناءنا، أسرتنا مقبلة على التشتت والضياع من أجل رغباتك الشخصية” .

كانت رباب تبدو كجدار صامت.

تمثال لا يشعر بمَن حوله، علت صرخاتي.

– “عجبًا لكِ أين جدالك الذي لا ينتهي؟ 

– ناقشي الأمر معي بجدية، اصنعي شيئًا لإنقاذ أسرتنا” .

– حبنا الأبدي كيف تعصفين به، تعلمين جيدًا ظروف أمي الصحية التي تعوق مصاحبتي لكِ،حتى أبنائي لا يرغبون في السفر.

أنتِ فقط مَن يرغب، أنتِ ولا أحد يقاسمك تلك الرغبة.

ظلت كلماتي تتناثر هنا وهناك.

رحلت دون وداع فقد كانت العصمة في يدها.

كتب: هشام أحمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى