ابداعات قلم

الدوامة

قصة قصيرة

أسلم ظهره إلى شجرة الأحلام التي اعتاد أهل قريته البسطاء الحج إليها كلما ضاق بهم الحال ، غير عابئ بالنتوءات البارزة منها والتي غرستها في جسده المتهالك، كم عانت شجرة البلوط تلك عبر الزمان المترامي في القدم من سهام جارحة اخترقت قلبا يحمل حرفين لمراهقين استظلا بظلها الوارف وراق لهما تخليد قصتهما بجرح قشرتها،لكنها لم تجد ملجأ ليسري شريان الحياة فيها سوى بسط فروعها في قعر جداول متناثرة بين أطراف القرية التي تبدو كل مساء كعجوز في أبهى حلل الصمت القاتل الذي يطبق على بيوتها الواهنة الجاثمة على طرقات طينية.

أمعن نادر النظر فيما حوله، جذبه من ذهنه الشارد صرصور الليل الذي يحلو له أن يدغدغ شبح الظلام الدامس دون زاجر أو مانع، قلَّب نادر حقيبة ذكرياته الحبلى بما لا يطيقه شاب في العشرين من عمره بينما يبدو للرائي كهلا اشتعل رأسه شيبا، مصمص شفتيه كأنه ظفر بما يريد من ذكريات حفرت ندبات عميقة على قسمات وجهه الذي كان طفوليا بالأمس القريب.

يا حاج عبد الودود ابنك لن يصبح فلاحا؛ لا تثقل كاهله بأعمال الفلاحة، معلموه يشيدون بعقله ونباهته، لم يلتفت عبد الودود يوما لصياح زوجته ولم تكف أم نادر عن ترديدها بحماس منقطع النظير في كل مرة ولم تكن الجرة تسلم في كل مرة، فلطالما قطّب زوجها جبينه، عبس في وجهها الصبوح دون جدوى، ومازال عبد الودود ينتزع نادر من بين كتبه التي يحصل عليها بالكاد ممن سبقوه في الدراسة إشفاقا منهم لحال أسرته.

اجتاز نادر دروب دراسته ببراعة أرغمت كل من علّمه على الإشادة بعزمه وتحمُّله ركضا وراء هدف واحد ؛ربما يَسٍرُّ به أحيانا إلى رفاقه المقربين الذين كانوا يخفون ابتسامتهم الصفراء لا حرصا على مشاعره بل خوفا من أن يحقق ما يصبو إليه ذات يوم ، فينقم من ابتساماتهم الساخرة إذا ما ألقاه القدر في طريقهم.
ابن عبد الودود يظنُّ أن طريقه معبّد ليصبح أستاذا في كلية الهندسة!
لم يعد الأمر سرا
أنى له ذلك؛ يأكلون يوما ويربطون الحجر على بطونهم أياما. –
أمه تزهو به كلما تحلق النسوة حول بائع في السوق الأسبوعي للقرية. –
– وما ذاك الحشد الذي يبدو كسواد عظيم في الأفق؟ .. نسوة من القرية اجتمعن عند الزقاق الذي يؤدي إلى بيت عبد الودود، الزغاريد تملأ الرحب ضجة وجلبة.
– التلفزيون هنا ؟! انطلق صوت محشرج يكسوه حنق وحسد.
– والصحف أيضا؛ صوتٌ نديٌّ يخالطه فرح وغبطة.
– نادر ولد عبد الودود طلع الأول في الثانوية ‘حتى أهل المدينة أصحاب الجاه والمال عجزوا عن كسر شوكته.

بعدما استعانت أم نادر بكيس بلاستيكيّ حوى أغراضه البسيطة مع مزيج من الدعوات والنصائح القلبية، أوصته بأن يحمد الله في كل سجدة لأنه أنعم عليهم بقلوب رحيمة منحته إقامة مجانية في غرفة تعلو بناء من طوابق ثلاثة بإحدى حارات الجيزة، لم ينس نادر قبل رحيله للالتحاق بكلية الهندسة جامعة القاهرة أن يهمس في أذن شجرة الأحلام .. سأعود إليك أستاذا في كلية الهندسة .. اهتزت فروع الشجرة المتشابكة؛ فأيقن نادر أنها تقاسمه أحلامه فرحا ورضا.
نزل من المركبة العجيبة ذات العجلات الثلاثة والتي تملك قدرة فائقة على المرور بين الأجساد المتلاحمة التي يعج بها سوق الجيزة، وقد أظهر قائدها مهارة فائقة لم تخنه إلا للحظات قليلة كان يصاحبها صياح بعض المارة حين كاد يصدمهم بتلك الخنفساء.

-هذا هو العنوان يا أستاذ 7 زقاق حسن صبور. أيقظه صوت قائد المركبة من استغراقه في أفكاره المتلاطمة .. خمسة جنيهات فقط .. وضعها في يد السائق رغم تشبث أصابعه بها فلم يكن لديه ما يماثلها إلا النزر اليسير، حمل كيسه ، مازال عقله شاردا في متاهات المدينة ‘ ملأ نفسه إحساس عجيب مزيج من التوجس والترقب والخوف تلاشى مع صوت الحاجة أم حسين ؛ أنت نادر أهلا وسهلا لقد أوصاني إمام المسجد الكبير في قريتكم بك خيرا ، خطت أمامه بخطوات وقوره ، فتحت بابا يصدر عن مصراعيه صوت يألفه منذ زمن، صرصور الليل ، دلف حجرة ذات جدار متشقق يبدو كعابد ارتعدت فرائصه خوفا من أهوال القيامة ، شكر الحاجة أم حسين ، بسط راحة يده، أغمض عينيه أسلم رأسه ثم استسلم لمرتبة إسفنجية يفوح منها عطر تراب القرية المرتوي بماء السماء، مع أذان الفجر نزع جسده الملتصق بالمرتبة بصعوبة بالغة ، توجه إلى الزاوية الملاصقة لجدار البيت.

طالعته الوجوه، لم يكن غريبا فقد منحه القدر شيئا من الشهرة حين ظهر على الشاشة الفضية للحظات منذ شهرين تقريبا. عاد إلى غرفته، فتح كيس ثيابه، سمح لنفسه أن يراجع هيئته من خلال شروخ المرآة المتدلية بحبل على الجدار.

تحمل مشقة الدراسة والعمل عامين دون شكوى، أسرًّ له جاره حسن الذي يدرس في كلية التجارة وهو يرتشف الشاي المنعنع على مقهى المعاشات بأن مشاكله المادية علاجها في يديه، سأله نادر بلهفة عن مصباحه السحري؛ فقط ألف جنيه يحصل عليه الريس محمود وفي جنح الظلام تشق المركب عُباب البحر حيث الثراء والعلم على الشاطئ الآخر، سبح نادر في أفكاره المتلاطمة، أرشده عقله إلى الالتحاق بالركب، جمع الألف بصعوبة بالغة، نقدها للريس محمود.

أبحرت سفينة أحلامه مع رفاق يحدوهم الأمل في كسر قيود الفقر والبطالة بأية وسيلة كانت، ساعات قليلة علا الموج، غدر البحر، غاصت السفينة، رأى الدوامة تمصمص شفتيها عقب كل جسد تبتلعه، ابتسم له القدر فانتشلته يداه، حظي بطوق نجاة من قارب عابر، عادت إليه أنفاسه بعد عراك ضد التيار، قادته قدماه إلى شجرة أحلامه، جثا على ركبتيه، تراءى له شريط الأحداث، لاك تلك الذكرى بأسنانه، مجّها سريعا، تخلص من براثن دوامته، سرت في جسده برودة، حسبها نسيم الفجر لكنه أيقن أن فأس أبيه علق بكاهله.

تمت

 

كتب/ هشام أحمد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى