ابداعات قلم

تقبل أقدارك بنفس راضية حتى تفوز دومًا

_ في يومٍ رائع كغيره من الأيام الطيبة التي كنت أحياها بصحبة أمي الحبيبة حيث الدفء والأمان ونظرات الحب الممزوجة بالإعجاب التي كانت تنبعث من عينها التي تُشبه اللؤلؤ.

مازلت أتذكر تلك النظرة جيدًا ، كانت تنظر إلى وكأنني لوحة صنعها أمهر الرسامين، كنت أشعر حينها بأنني أروع وأجمل ما خلق الله، وأنني أملك الأرض ومَن عليها، فلا يهم أي شيء ، المهم أنها تراني جميلة وأنها تحبني هكذا، المهم أنها راضية وسعيدة، و أنها هنا بجواري.

لم تكتمل روعة اليوم كعادة كل الأشياء الجميلة حيث سمعت أمي تتحدث بنبرةٍ خائفة أنها قد وجدت شيئًا كالكتلة في ثديها .

“لعله نمو حميد في قناة اللبن… “تغيرات كيسية”... أو “صدمة شديدة”… تلك العبارات كنا نرددها بصوت عالٍ يملؤه اليقين، وكأننا اطلعنا على الغيب.

كان الخوف ينهش أرواحنا من الداخل ولكننا نخفيه بأحاديث يسكنها الأمل وحسن الظن، إلى أن جاءت نتائج الفحوصات معلنةً وقوع حبيبتي البريئة بين مخالب القاتل الخبيث، نزل ذلك الخبر على سمعي كالصاعقة ، لو كان بإمكاني لكنت احتضنتها بروحي إلى أن ينساها هذا المرض الخبيث.

أخبرنا الطبيب المعالج أن السبب في ذلك قد يكون وراثيًا، أو تغيرات جينية نتيجة التعرض للأشعة، أو التعرض لبعض المواد الهيدروكربونية مثل:

التبغ و اللحوم المشوية لدرجة التفحم.

كما أن هذه العوامل تتزايد خطورة إن كان يصحبها :

العلاج بواسطة الهرمونات، تناول أقراص منع الحمل، الوزن الزائد، كثافة نسيج الثدي العالية، الحيض في سن مبكر، التدخين، الوصول إلى سن اليأس.

أخبرها الطبيب وقتها بأن حل تلك الأزمة هو استئصال الثدي بشكل كامل، تعاملت مع الخبر وكأنني صماء فلم أستطع أن أناقشها في مسألة كتلك أو حتى أن أظهر دمعي أمامها، فأنا أعرف جيدًا أنها ستخجل من ذلك الحديث، فتعلمت كيف أتقن سجن الأدمع ببراعة شديدة .

ومن بعدها بدأت رحلة العلاج الإشعاعي والكيماوي لم تكن تلك الرحلة شاقة عليها بقدر ما كانت مميتة لي ، فكنت أرى جارة القمر مغلوبة على أمرها حيث يسلبها هذا الخبيث جمالها الخلاب بسرعة رهيبة، لكنه لم يستطع الاقتراب من ابتسامتها المُلهمة و ملامحها البريئة.

استمرت تلك الرحلة قرابة العام إلى أن أخبرنا الطبيب بأنها قد تعافت، ظننت وقتها بأن الكابوس قد انتهى و أن الخبيث قد قُتل مسمومًا بخبثه، ولكن بعد مرور عدة أشهر قامت حبيبتي الغالية بإجراء الفحوصات مرة أخرى، فاتضح أن الخبيث لم ينته بعد ، لم تستطع الصمود كثيرًا فاستطاع القاتل الخبيث أن يُفقدني صديقتي الوحيدة و ملاذي الأول والأخير و حصني المنيع .


تيقنت بعدها أن هذا القاتل لن يستطيع أحد قتله أو الانتصار عليه إلى أن التقيت بصديقة عمري التي عانت من هذا الهم اللعين في صغرها وذاقت مرار هذا الكأس من قبل، حيث وجدتها منتصرة سالمة بقلبٍ مؤمن وعيون باسلة.

أدركت حينئذ أن انتصار القاتل الخبيث على غاليتي لم يكن لبراعته أو لدهائه، ولم يكن حتى لبراءة أمي اللامتناهية، و إنما هو القدر ليس إلا ، فما كُتب في اللوح حتمًا ولابد أن نراه.

فكل ما عليك فعله هو أن تتقبل أقدارك بنفسٍ راضية حتى تصبح فائزًا على الدوام.

كتبت: إسراء علي

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى