ابداعات قلم

مسرحية الزلزال .. المشهد الثاني

المشهد الثاني

– تفتح الستارة على أكوام متراكمة من الأثاث وأجهزة منزلية وملابس متراكمة بالعراء، العشوائية تسيطر على المكان، تظهر الشخصيات السابقة كلها متحلقة حول إمام المسجد الذي يرفع يده بالدعاء والكل يؤمن على دعائه.

– اللهم الطف بنا فيما جرت بنا المقادير. آمين

– اللهم لا تؤخذنا بما فعل السفهاء منا آمين

– اللهم اجعل خير أيامنا يوم لقائك آمين

– الشيخ درويش: الحمد لله من لطفه بقريتنا أنه سخر لنا من ينذرنا قبل حدوث الكارثة.

– رشيد: ولكن؛ يا سيدي … في الواقع … عندي كارثة شخصية لا تقل عن كارثة الزلزال.

– أمين مقاطعا: وأنا كذلك، فاضل: وأنا كذلك.

– رشيد مخاطبا الشيخ درويش: دعك يا مولانا من هذا الهراء وواصل دعاءك لعل الله يرفع عنا البلاء.

– الشيخ درويش: يا لطيف …. يا لطيف … يا لطيف، ماذا أصابكم، وهل هناك مصيبة أعظم من الزلزال المدمر والذي قد يمحو القرية بأكملها من على وجه الأرض؟

– أمين: في الحقيقة .. الزلزال كارثة بلا شك لكنها سوف تنزل بالجميع، لن ينجو منها أحد، لكن كارثتي الشخصية لا تقل عنها بل تفوقها بكثير .

– الشيخ درويش: وما تلك الكارثة؟

– أمين: لا أدري ماذا أقول … ولكن ربما حديثي معكم يهون عليّ الأمر .

– فاضل: هيا .. هيا قل ما عندك، لم يتبق إلا دقائق معدودة ، الزلزال على باب الانتظار ، ولن يستأذن أحدا.

– رشيد: يا للعار مصيبتي .. سوف تجلب لي العار .. لن أجرؤ على ذكرها .. لكن لا مفر من ذكرها.

– فاضل: بل مصيبتي تفوق مصائبكم جميعا ، لا أدري كيف فعلت ذلك .

– الشيخ درويش مهدئا الجميع: اعلموا أن الله غفور رحيم .

– بشير مقاطعا: وأنه شديد العقاب.

– الشيخ درويش مسترسلا: من يرغب منكم في قص همومه فليتفضل وبعون الله سوف نرشده إلى الصواب ( يصمت لحظة )، إن بقينا على قيد الحياة بعد الزلزال .

– أمين يستند على كومة من الأثاث المتراكم : ورثت تجارة المواد الغذائية عن أبي رحمه الله والذي ورثها عن جدي وجد جدي ، أهل القرية يعرفون ذلك جيدا فنحن بيت الأمانة كم هو مدون على لوحة متجري ( متجر الأمانة للمواد الغذائية ) يتنهد بشيء من الحزن والأسى .

– رشيد: لم تأت بجديد، القرية كبيرها وصغيرها يشهدون لكم بالأمانة

– أمين (بشيء من الحسرة والندم): نعم يشهدون لنا بالأمانة؛ ولكن منذ فترة غير بعيدة أضعت بجشعي أمانة عائلتي.

– رشيد: لم نفهم شيئا مما تقول.

– فاضل: ما كل هذا الغموض؟ ليس لدينا وقت لسماع فوازيرك ، الكارثة على مقربة منا .

– أمين: مهلا .. مهلا ليس الأمر هينا ؛ منذ زمن غير بعيد زار دكاني واحد من كبار تجار المدينة وقدّم لي عرضا لا يقاوم للثراء دون تعب ولا جهد .

– فاضل بلهفة: وما ذلك العرض ؟

– أمين بتردد: في واقع الأمر .. العرض .. العرض .. كمية هائلة من المواد الغذائية بسعر زهيد.

– فاضل بتسرع: رزق ساقه الله إليك ، وأنا كثيرا ما أتساءل عن مصدر الثراء الفاحش الذي ظهر عليك وعلى أهلك من وقت قريب .

– الشيخ درويش: وما الضرر في ذلك طالما تؤدي زكاة تجارتك؟

– أمين: زكاة .. أقول لكم بضاعة بثمن بخس وتقولون لي … رزق … زكاة، لم تفهموا شيئا من كلامي.

– فاضل بغضب : عدنا للفوازير ، ليس لدينا وقت ، اختصر .. الزلزال على الباب.

– أمين واضعا يديه فوق رأسه: الزلزال على الباب، الزلزال على الباب.

– رشيد: ماذا أصابك يا رجل ؟ هل ذهب عقلك؟

– الشيخ درويش: لا داعي لانفعالك… تمالك أعصابك واشرح لنا الأمر بالتفصيل.

– أمين: البضاعة كانت غير صالحة للاستخدام الآدمي .. منتهية الصلاحية ..كانت ستباع لحديقة الحيوان التي بالمدينة ، كيف سأقابل ربي؟ لا أدري ماذا أفعل ، الزلزال على الباب .

– الجميع في نفس واحد: منتهية الصلاحية … حديقة الحيوان …

– الشيخ درويش : لاحول ولا قوة إلا بالله، كيف قبلت هذا العرض القاتل ؟

– رشيد: حرام عليك .. منتهية الصلاحية .. حرام عليك.

– فاضل ساخرا: من لم يمت بالزلزال مات بطعامه الفاسد تعددت الأسباب والموت واحد ، لقد أعماك حب المال .

– رشيد : أنا أيضا لم أسلم من المصيبة .

– الشيخ درويش: تقصد أنك أكلت من غذائه المنتهية صلاحيته.

– رشيد: بل أقصد أمرا أخطر من ذلك ، أقصد مصيبتي الكبرى .

– فاضل: يبدو أن المصائب اليوم لن تنتهي، ستتوالى علينا المصائب حتى تنزل بنا المصيبة الكبرى .

– رشيد بتردد: لقد كنت ..كنت …. كنت.

– أمين: كنت ماذا … قل .. تكلم .

– رشيد: كنت أنقص مكيال رغيف الخبز .. كنت أقتطع منه أكثر من ربعه .. لا أعلم كيف سأقابل ربي بهذه الجريمة.

– فاضل منفعلا: لص … حرامي … غشاش … يدفعه بيده على الأرض.

– الشيخ درويش: لاحول ولا قوة إلا بالله العلي القدير، لماذا لجأت للحرام، أعلم أنك ميسور الحال ومخبزك يعمل صباح مساء.

– أمين (بابتسامة خبيثة(: كلنا في الهوا سوا.

– رشيد: سيزول المال .. حلاله وحرامه .. الزلزال على الأبواب.

– فاضل (مخاطبا نفسه): ما أكثر اللصوص في قريتنا ! إذن لا فرق بينك وبين تاجر الطعام الفاسد، ومع ذلك تبدو مصيبتي أكبر بكثير من مصيبتكم.

– الشيخ درويش: عزيزي الطبيب؛ لا تقلق سوف نصلي من أجل أن يحفظ الله أطفالنا في المستشفى فلا يصيبهم الزلزال بأذى.

– فاضل: آمين ،( بصوت منخفض ) إنهم رأس مالي ومصدر رزقي .

– أمين: لا تخف على رزقك ، الزلزال سيمنحك مزيدا من الجرحى والمرضى ، لن تجد وقتا للنوم .

– رشيد: لا شك أنك أكثرنا استفادة من الزلزال، مئات من الجرحى.

– فاضل هامسا: يبدو هذا تعويضا مناسبا عن خسارتي المتوقعة، (بصوت عال) لكن الزلزال على الأبواب، إنه مصيبتي الكبرى، الزلزال على الأبواب، نعم على الأبواب، إنه على الأبواب.

– بشير: هل جننت يا رجل.

– فاضل: إنه على الأبواب، نعم على الأبواب، الزلزال على الأبواب.

– الشيخ درويش: كن مؤمنا .. لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.

– فاضل: الكارثة يا سادة .. إنها الكارثة.

– أمين: الكارثة لن تصيبك وحدك، هوّن عليك أيها الطبيب.

– بشير مخاطبا الشيخ درويش: دعك من هؤلاء وواصل الدعاء؛ عسى الله أن يرفع عنا البلاء.

– فاضل (يدفعه بعنف على الأرض): لماذا تقطع حديثي دون إذن، ألا يكفيك أنك كنت نذير شؤم بنشر هذا الخبر في قريتنا ، لا أطيق النظر في وجهك ، اغرب عن وجهي .

– أمين: لم أرَ الطبيب بهذه العصبية من قبل، (يحدث نفسه) مالي وحالهم، لابد أن أتوب عن معصيتي ومصيبتي وجريمتي في حق أهل القرية.

– رشيد (هامسا) لا مفر من العودة إلى الله ليغفر لي ما ارتكبت من ذنوب وما فعلته من مصائب بحق أهل القرية البسطاء.

(يجلس أمين ورشيد في زاوية بين الأثاث المتراكم رافعين أيديهم بالدعاء)

– فاضل (صارخا) يا لله .. يا الله .. هل ستغفر لي ؟ مصيبتي تفوق كل مصيبة .. وكأني نسيت أنني سأقف يوما بين يديك .. لقد أغراني المال الحرام، يأخذ بيد الشيخ درويش .. هل سيغفر الله لي.

– الشيخ درويش: إن الله يغفر الذنوب جميعا؛ ولكن لماذا ترتجف هكذا.

– فاضل: لقد لوثت مهنة الإنسانية والرحمة بجريمتي، كنت أتظاهر برداء الرحمة والشفقة والعطف على الأطفال، ولكن في واقع الأمر (يصمت برهة) يلتفت نحو التاجر وصاحب المخبز؛ لقد تفوقت على كل هؤلاء بجشعي وحبي للمال.

– أمين ورشيد: وماذا فعلت يا طبيب الرحمة والإنسانية ؟

– فاضل مترددا: كنت … كنت … كنت .

– الشيخ درويش: كنت ماذا ؟

– فاضل : كنت أشتري الأطفال من نساء القرية الفقيرات بثمن بخس ثم أبيعهم لأثرياء المدينة الذين لم يرزقوا بأطفال ( يضع يده على وجهه ويجهش بالبكاء )

– بشير: لعنة الله عليك، بذنبك هذا سوف يدمر الزلزال قريتنا الآمنة.

– أمين ورشيد: كنا نظن أن جرائمنا لا مثيل لها، ولكن في واقع الأمر ، جريمتك لا نظير لها ، كيف تجردت من إنسانيتك وأصبحت تاجرا للأطفال ، أين ضميرك وشرف مهنتك ؟

– الشيخ درويش: ذنوبكم عظيمة؛ لكن عفو الله ومغفرته أجّل وأعظم، ومن رحمته بقريتنا أن أنذرنا وأنذر كل عاص بكارثة الزلزال ، ( يلتفت يمينا ويسارا ) ولكم كم بقي من الوقت على حدوث الزلزال ؟

– بشير: حسب معلوماتي الدقيقة ..( ينظر في ساعة يده ) ثلاثون دقيقة كما ورد على لسان مصادرنا الموثوق بها .

– الشيخ درويش: هيا نبتهل جميعا، ونرفع أكُف الضراعة إلى العلي القدير لعله يلطف بنا ويرفع عنا البلاء؛ فإنه لا يرد القضاء إلا الدعاء .

لحظة من فضلك لم نصل للنهاية، يبقى مشهد ثالث .. سيأتيك عن قريب إن شاء الله.

ستارة

بقلم: هشام أحمد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى