مقالات حره

استمر.. المثابرون ينجحون في النهاية

من أكثر القصص الملهمة التي قرأتها وأثرت في نفسي ومنحتني الكثير من الأمل والصبر، هي قصة الجدة (موسي ).

فقد علمتني أنه مهما طالت معاناتك مع نفسك، ورفض الجميع الاعتراف بموهبتك حتى توشك أن تكفر بأحلامك وموهبتك، وبعد أن تمضي أيامًا وشهورًا وسنينًا تسير فى صحراء الشك واليأس والتهميش.

فإذا بالقدر يرسل إليك هدية صبرك ومثابرتك، هدية يملؤها اليقين والنجاح والاعتراف بموهبتك وإبداعك ووضعك حيث تستحق.

فقد كنت أقرأ ثم أقرأ ولا أعرف لِمَ ولماذا أقرأ؟ وكانت الإجابة أقرأ فى كل شيء وأي شيء .

فالقراءة كانت متعتي الأثيرة إلى قلبي، حيث تفتح لي عوالم خفية ومنسية، تفتح أبوابًا من الماضي والحاضر والمستقبل.

كانت القراءة تحملني على بساط سحرى إلى أماكن وأزمنة بعيدة تطوف بي قارات العالم، ويغوص بى لأعماق التاريخ.

فأرى المهندس العبقرى ابن الفلاحين”سننموت” يصمم ويبني “معبد الدير البحرى” لمعشوقته وفتاة أحلامه الملكة “حتشبسوت“.

أتلصص على لقائهم فى قاعة القصر وهى تجلس على عرش الإمبراطورية المصرية القديمة.

فيبث “سننموت” للملكة أشواقه ويصرح لها بحبه، لكن الملكة “حتشبسوت ” ترفض كلامه فى دلال وتعرض عنه في شوق وتذكره.

إنها ملكة وفرعون مصر والملوك العظماء لا يحبون، فقط يحكمون فلا سلطان للهوى والقلوب على عقول الملوك العظام.

ويغادر البساط السحرى قاعة الحكم.

كنت أقرأ ثم بدأت أكتب، فزادت المتعة أضعافًا مضاعفة.

لقد أصبحت أنا مَن يتحكم فى الأحداث.

لقد غادرت مقاعد المشاهدين، وذهبت لمقعد الحاكم و مدبر الأمور.

مَن يمسك بيده كل خيوط اللعبة، وكنت أحرك الأحداث من وراء الستار، و اكتشف الأسرار وأصنع المكآئد و أنقذ الصالحين و الطيبين وأنزل العقاب بالأشرار المجرمين .

لقد أصبحت سيد اللعبة أشعر بنشوة الانتصار وأسمع صوت السيوف وهي تشق الأجساد والدروع، أسمع صهيل الخيول وهي تشق صفوف الأعداء.

أسمع حكايات المنازل الخاوية، تحكي لي الجدران قصصًا مَن شيدوها وسكنوها ولِمَا هجروها؟

أسمع شجار نساء الحارة مع بعضهم، وأرى تلك المرأة اللعوب وهى تقف خلف المشربية تشاغل هذا الشاب مفتول العضلات بائع الخضروات بنظرات فاتنة، وإيحاءات تشعل شهوة الشاب وتدعوه لدخول المنزل من الباب الخلفي.

لكني كنت أعود سريعًا من تلك السياحة المحببة لنفسي إلى الواقع، وقد كتبت عدة ورقات عن مشاهداتي فى تلك الرحلة العجيبة.

لكن …. لِمَ أقرأ ولماذا أكتب وما الهدف من وراء كل ذالك؟

لابد أن يكون لأي عمل هدف وغاية، سأتوقف عن القراءة وأمتنع عن الكتابة.

فهذا مجهود لا طائل من ورائه وقت ضائع من عمري أقضيه فى لا شيء.

ستكون القصة القادمة والتي وقعت أمامي بالصدفة آخر عهدي بالقراءة والاطلاع.

كان رجل يسير بسيارته الجديدة وسط الحقول قاصدًا المدينة.

وفجأة يصيب السيارة عطل وتتوقف عن العمل،) فيهبط الرجل من السيارة، ويفتح مقدمة سيارته عله يعرف أين الخلل ويحاول إصلاحه، لكنه لم يجد شيئًا غير طبيعي، ولم يكن قد انتشر التليفون المحمول بعد، فنظر الرجل حوله فوجد منزلًا قريبًا فتوجه إليه، وبأدب طرق على الباب ففتحت الباب أمرأة طاعنة في السن لديها سبعون عامًا.

فطلب منها الرجل أن يستعمل تليفون المنزل لطلب المساعدة؛ لأن سيارته تعطلت فأذنت له السيدة و أرشدته لمكان التليفون و بينما الرجل يتحدث في التليفون رأى العديد من اللوحات الزيتية على جدران المنزل، وبعد أن طلب الرجل المساعدة استأذن السيدة أن يمكث قليلًا؛ حتى تأتي سيارة الميكانيكي، فأذنت له السيدة وأعدت له كوبًا من القهوة وهو مشغول بمشاهدة تلك اللوحات الجميلة، وعندما جاءت السيدة المسنة بالقهوة سألها عن تلك اللوحات الجميلة فاخبرته أنها هي مَن رسمتها، وأنها كانت من الطفولة تحب الرسم، لكنها عندما تزوجت لم يعجب زوجها بتلك الموهبة وطلب منها عدم الاستمرار في تضيع وقتها فى عمل لا طائل من ورائه؛ لأن رسومتها ليست جميلة ولن يعجب أحد بها.

وككل زوجة مخلصة سمعت المرأة العجوز كلمات زوجها، و لكن بعد أن توفى الزوج، وتزوج الأولاد وغادروا المنزل وجدت نفسها تستخرج علب ألوانها وتعود ثانية للرسم فقد أصبح الرسم متعتها الوحيدة وسبب تشبثها بالحياة، فهي تستيقظ كل يوم ليس لها هدف إلا إكمال لوحاتها.

وكلما انتهت من لوحة جاءتها فكرة لوحة جديدة، فطلب الرجل من السيدة العجوز أن يأخذ بعض لوحاتها لعرضها على بعض المختصين في هذا المجال فوافقت الجدة ( موسى ) على طلبه؛ لازدحام المنزل بتلك اللوحات وذهب الرجل.

وعرض اللوحات على بعض المتخصصين ممَن يشترون اللوحات الفنية ويعرضونها فى صالات المزادات والمعارض الفنية.

فأعجبت تلك اللوحات كل مَن رآها وعرضوا عليه أثمانًا خيالية؛ لشراء تلك اللوحات.

وعاد الرجل إلى السيدة “ماري روبرتسون موسى” ليزف لها البشرى ..

ومن يومها أصبحت الجدة “موسى” حديث الصحف والمعارض الفنية.

وفي عام ٢٠٠٦ تم بيع أحد لوحاتها بأكثر من مليون دولار أمريكي.

ويحتفظ اليوم متحف “اللوفر” بباريس بعدد من لوحات الجدة “موسى”، ومتحف “بلازا” بنيويورك بعدد من اللوحات.

والعديد من صالات الفن الحديث والمزادات وعاشت الجدة ( موسى ) حتى تجاوزت التسعين عامًا من عمرها، واستمتعت بنجاحها وتقدير الناس لها واعترافهم بموهبتها.

كان من المفروض أن تكون تلك القصة هي آخر ما أقرأ، لكنها كانت بداية جديدة للقراءة و الكتابة والمضي قدمًا في طريق البحث عن الذات والنجاح والاعتراف بالموهبة .
ولازلت أسير في الطريق .

العبرة استمر.

كتب : أحمد عبد الواحد إبراهيم

زر الذهاب إلى الأعلى