مقالات حره

فن الاحترام من القرآن والسنة 

قيمة افتقدناها كثيرًا في مجتمعنا، أصبحت عملة نادرة في زمن الماديات، مرتبطة بالمظاهر المادية فقط ،إنها قيمة الاحترام، فمن المؤسف انتشار صور من عدم الاحترام حتى أصبحت عادة في مجتمعنا من كثرة تداولها، مثل: ارتفاع صوت الأبناء على آبائهم بحجة الانفعال، ارتفاع صوت الرجل على من هو أقل منه في المستوى الاجتماعي أو المادي أو المهني في عمله بل وتوبيخه بلا رحمة، التعبير عن وجهة النظر المغايرة بألفاظ غير لائقة وإهانة وسخرية من الآخر وغيرها.

 

لذلك لابد من دق ناقوس الخطر للتخلص من آفة “عدم الاحترام”، وتعليم أولادنا قيمة الاحترام كما ذكر في القرآن والسنة، وكيفية تطبيق هذه القيمة بشكل عملي في التعامل مع الآخرين، فإن مما تعظم به حضارات الدنيا انتشار القيم والأخلاق بين أبنائها، وذلك من خلال الحوار مع الدكتور (عادل هندي) مدرس بجامعة الأزهر.

 

– تعريف قيمة الاحترام؟

هو صورة من صور التقدير التي يُظهرها الإنسان لأخيه بأية وسيلة من الوسائل، سواء كانت مادية أو معنوية، وقد تكون ردّة فعل حين لقاء آخر، أو صورة من صور التشجيع للآخرين نحو القيم والأخلاق.

 

– ما هي معالم احترام الإنسان لأخيه الإنسان في الشريعة الإسلامية؟

– عدم إكراه أي إنسان على الدخول في الإسلام أو في أي معتقد غصبًا وإكراها، قال الله -تعالى- : {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256].

– شيوع الرحمة بين بني الإنسان والتشجيع على التخلق بها في المعاملات؛ حيث قال الله لنبيه المصطفى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].

– الدعوة إلى إكرام الإنسان في الكلام والقول الحسن، قال الله -تعالى-: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} [البقرة: 83]، وقال -سبحانه وتعالى-: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 53].

 

من لهم حق الاحترام والتقدير والتوقير ؟

أولا: احترام الإله الخالق القادر:

قال الله -تعالى-: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} [نوح: 13، 14]، ولذا فإنَّ أول ملامح الاحترام والتوقير، ما يكون بينك وبين ربك وخالقك -سبحانه وتعالى- ،ومن صور التقدير للإله سبحانه ما يلي:

  1.  معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُليا.
  2. تنفيذ أوامره.
  3. تجنب نواهيه التي نهى عنها.

 

ثانيًا: احترام الرسول الحبيب -صلى الله عليه وسلّم-.

يقول الله -تعالى-عن نبيه المصطفى-: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح:9،8 ] فقد أمرنا بتقديره وتوقيره تعظيمًا لشأنه وقدره ومقداره العظيم، ومن الصور العملية في توقير النبي -عليه الصلاة والسلام-، ما يأتي:

  1. كمال التسليم له؛ بطاعته فيما أمر والانتهاء عمّا نهى عنه.
  2.  حب وتقدير لسنّته وطريقته التي عاش بها في مطعمه، مشربه، منامه، يقظته، سعيه، ترحاله، وتعاملاته الإنسانية.
  3.  الدفاع عن سنّته ورد الشبهات.

 

ثالثًا: احترام الوالدين وذلك من خلال ما يلي:

  1. الدعاء لهم.
  2. التماس رضاهم في طاعة الله.
  3.  توقيرهم وصرف السوء عنهم من سبّ أو شتم.
  4.  عدم التنقيص منهم أبدًا في الكلام أو التصرفات، قال الله -تعالى-: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}.[الإسراء 23،24].

 

رابعًا: الاحترام بين الزوج وزوجته وذلك من خلال ما يلي:

  1. الحب وإظهاره والتصريح به تقديرا واحترامًا.
  2. الخيرية الدائمة كما في حديث المصطفى- عليه أفضل الصلاة والسلام- قال: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”.
  3. الشكر والثناء عند الإكرام والاحترام.
  4.  التعاون وحسن العشرة.

 

خامسًا : احترام كبار السنّ وذلك من خلال ما يلي:

1- القيام لهم وحسن خدمتهم.

2- إكرامهم اللفظي والمعنوي، كما قال النبيّ -صلى الله عليه وسلّم- لأبي بكر حين جاء بأبيه مسلمًا: “أما تركت الشيخ في بيته ونحن نأتيه”.

3- عدم الإحراج لهم؛ لكبر سنّهم أو عجزهم البدني.

4- مساعدتهم عند الاحتياج وقضاء مصالحهم، وفي الحديث: “ليسَ منَّا من لم يرحَم صغيرَنا ويعرِفْ شرَفَ كبيرِنا”.

 

 

– صور عملية لتطبيق قيمة الاحترام في التعامل مع الآخر من القرآن والسنة:

– عدم إراقة ماء وجه الإنسان بالإحراج وإظهاره بالسوء أمام الناس حتى عند الخطأ، كما في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد.

– تقدير الإنسان مهما كانت درجته الوظيفية أو القرابة أو الحسب أو اللون أو القبيلة أو الانتماء الوطني والجغرافي، وقد ورد في السيرة النبوية أمثلة كثيرة على ذلك، ولعل من أشهرها: قصة صلاة النبي صلاة الجنازة على المرأة السوداء التي كانت تقمّ المسجد، وقد ماتت، فدفنها الصحابة بعد الصلاة عليها، ولم يعلموا النبي بذلك، فيعلم رسول الله بعد ذلك بموتها ،بعد يقظته من نومه، فيقول لهم: “أفلا كنتم آذنتموني؟”، فكأنهم صغّروا أمرها، فقال: “دلوني على قبرها”، فدلوه، فصلى عليها.

– الرحمة مع الخدم وعدم التنقيص من شأنهم أو السخرية منهم والاستهزاء بهم أو التأفف من التعامل معهم، كما يفعل كثير من الناس في زماننا اليوم، ولننظر إلى رسول الله مع خادمه، كيف كان الاحترام؟ يقول سيدنا أنس -رَضي الله عنه-: “خدمت رسول الله عشر سنين والله ما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلت؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟” (رواه البخاري ومسلم) .

– إظهار الامتنان والشكر لمن أسدى إليك معروفًا، قريبا كان أو غير قريب، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلّم-: “ومَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ”، ويشمل ذلك احترام أهل الفضل والسبق، كما أظهر النبي -صلى الله عليه وسلّم- ذلك للأنصار الذين آووه ونصروه ووقفوا معه حتى بنى دولة الإسلام ونشر دين ربه في الآفاق .

– عدم إيذاء مشاعر الآخرين بالسخرية والاستهزاء لمن خالفونا في العقيدة أو الوطن أو الموقع الجغرافي أو الشكل والهيئة أو الحرفة والمهنة؛ كمثل من يسخر من أبناء محافظة معينة، أو أرباب مهنة معينة، أو أبناء اعتقاد غير اعتقادنا كمسلمين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11]

– استخدام بعض التعبيرات (آسف، وشكرًا، ومن فضلك)؛ فتعتذر لمن أخطأت في حقه بقولك (آسف)، كأنك تقول له: خاطرك عندي كبير، ولا أقوى على حزنك، وتشكر من أسداك معروفًا بقولك (شكرًا) ثناء وحبا وودًّا وتقديرا للجهود، وتطلب بأدب واحترام من غيرك بقولك (من فضلك) ولا يكون الطلب بصيغة الأمر والإجبار.

– احترام الحيوان؛ لأنه روح مخلوقة، ففي فِعْل البغي أو الرجل الفاحش من بني إسرائيل الذي سقا كلبا، أكبر دليل على أن للاحترام الشامل ثوابًا عظيمًا عند الله -تعالى-، حيث شكر الله له فغفر له فأدخله الجنّة. وفي المقابل: دخلت امرأة النار في هرّة؛ لأنها لم تقدّرها كروح لها حق من الطعام والشراب والحرية.

 

وأخيرًا فإنَّ ممارسة الاحترام والتقدير للناس صورة من صور التعبد الحقيقي لله -تعالى-، وهو صورة من صور التحضر اللازم لحياة المسلمين في كل عصر، فالاحترام قيمة تتميز بالشمولية؛ حيث تشمل الإنسان والحيوان والنبات والجماد، كما تشمل الكبير والصغير، الغني والفقير، الصحيح والمريض، الرجل والمرأة، الأبناء والبنات، فعلى قدر ما تُعطِي من الاحترام على قدر ما تنال وتأخذ منه.

 

كتبت: نيفين رضا.

زر الذهاب إلى الأعلى