مقالات حره

في ذكرى المولد النبوي الشريف… أوجه الرحمة والإنسانية في حياته

صفي القلب، طيب الفؤاد، كريم النشأة، عظيم الخُلُق، أرقى الناس نفسًا، وأرقهم فؤادًا، وأحسنهم سمتًا وسلوكًا، قال عنه ربّنا في قرآنه المجيد: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [سورة القلم:4].

كما زكّى رسالته بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} ، -فاللهم صل وسلّم وزِد وبارِك على رسولنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين-.

وفيما يلي يتجدد اللقاء مع الدكتور ( عادل هندي) مدرس بجامعة الأزهر، في حوار خاص ليحدثنا عن الرسول الإنسان وصور هذه الإنسانية في تعاملاته.

كيف كان الرسول في بيته؟

وكيف نحتفل بميلاده -صلى الله عليه وسلم- على الوجه الصحيح؟

ماذا تعني إنسانية الرسول -صلى الله عليه وسلم -؟

تعني إنسانيته الأدب، اللطف، الرفق، الرحمة، والأخلاق الحميدة، التي تحتوي على معاني التراحم، التلاطف، التعاون، التآخي الإنساني، النصرة والنجدة للآخرين.

قال تعالى في وصف كمال نبيّه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159].

وقد كانت ولا تزال وستظلّ إنسانية الرسول الحبيب مثالاً يُحتذى، ونموذجًا يُقتدَى به، فقد أبهرت إنسانيته العدو قبل الصديق، وشهد له الغريب قبل القريب بالعظمة والكمال.

فهذا “مايكل هَارت” الفيلسوف الأمريكي- يكتب كتابه (المائــــة)، وهو يرتّب أعظم مائة شخصية مؤثّرة في التاريخ، وقد جعل الرسول أول هؤلاء؛ لماذا؟

لأنّه كما قال: “أعظم إنسان تميز على المستوى الديني والدنيوي، له تأثير عميق، اتسع أمده، وعمق أثره وسعته“.

صور عملية لإنسانية الرسول؟

الصورة الأولي: إنسانيته -صلى الله عليه وسلّم- مع الخادِم:

إن الرّحمة المهداة كان يدعو نظريًّا إلى إكرام الخدم والإحسان إليهم، وتطبيقيًا بتطبيق ذلك على نفسه، ولندع الفرصة الآن لأحد هؤلاء الأكارم من أصحاب النبيّ، وكان خادمه لمدة عشر سنين، فكما جاء في الحديث عند البخاري ومسلم، من حديث أَنَسٍ، قَالَ: «خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَ سِنِينَ، فَمَا أَعْلَمُهُ قَالَ لِي قَطُّ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ وَلَا عَابَ عَلَيَّ شَيْئًا قَطُّ».

الصورة الثانية: إنسانيته -صلى الله عليه وسلّم- في صناعة المعروف:

تعالوْا بنا الآن لنعود إلى اللحظات الأولى لنزول الوحي على الرسول الحبيب؛ فحين جاءه جبريل الملَك الكريم، على صورته الحقيقية في غار حراء، وتحدّث إلى النبي في حواره البديع المعلّم، وقال له: (اقرأ)، وعاد خائفًا إلى زوجه الحنون خديجة، وقال: إني أخشى على نفسي، فإذا بها تزيده طمأنينة فتقول له: «كَلَّا، أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لاَ يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ» [رواه البخاري ومسلم] وما ذكرته أمّ المؤمنين خديجة -رضي الله عنها-، ما هو إلا صورة مصغرة لإنسانيته -وهو قبل البعثة- وزادت تلك الإنسانية ورقيت درجات العلى بعد البعثة الشريفة.

الصورة الثالثة: إنسانيته -صلى الله عليه وسلّم- في نُصرة المظلوم:

لم يكن رسول الله يومًا ليتباطأ -حاشاه- عن نصرة إنسان أراد النّصرة والنجدة، ولو كان غير مسلم، إنه إنسان، ها هو عربيّ يستنجد بأي أحد ينصره ويأتي له بماله من “العاص بن وائل“، فلا يتحرّك له أحد، هل عقم العرب أن يخرجوا رجلًا إنسانًا؟ ما عقم العرب.

فلقد اجتمع كبار القوم في دار «عبدالله بن جُدعان» فيما عُرف في السير بـــ «حِلف الفُضول»، وتحالفوا على نصرة المظلوم، ويحضر معهم الرسول؛ نصرة لذلك المظلوم، إنه إنسان، ويوم أن هاجر النبيّ إلى المدينة، أخذ يحدّث بخبر هذا الحلف، فيقول: «لقد دعيت في الجاهلية إلى حلف عبدالله بن جدعان، لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت».

إنها الإنسانية التي يفتقدها العالم المدعي للمدنية والتحضّر في العصر الحديث.

فإن من فرّج عن الناس الشدائد وقضى لهم الحوائج فرّج الله عنه، وعصمه من شر ما يجد، فكما قال أحد الصالحين: «من مشى في حاجة أخيه جبرًا للخاطر، نال معية الله في المخاطِر».

الصورة الرابعة: إنسانيته-صلى الله عليه وسلّم- في التعامل مع المخطئين والعُصاة والمذنبين:

يظهر معدن الشخص الناجح في حُسْن علاقاته بالناس، ليس فقط فيمَن يؤيدونه أو يسمعون كلامه؛ بل تظهر شخصيته على وجه الحقيقة مع المخطئ والمُذْنب.

وقد تكررت أحداث كثيرة في حياة الرسول لأناسٍ وقعت منهم أخطاء، لكنه كان إنسانًا راقيًا سمحًا عند علاج أخطائهم، ولننظر في هذه النماذج الرائعة من حياته الرقراقة:

– حنوه على الشاب الذي أراد الزنا، وكاد الصحابة أن يفتكوا به، غير أنه -صلى الله عليه وسلّم- قال لهم: “دعوه لي، وتحدّث معه بحكمة وأدب”، واستخدم جزءًا من طبيعة البيئة العربية (الشهامة والنّخوة) ثم دعا له، وخرج الشاب وليس أكره إلى قلبه من الزّنا.

الصورة الخامسة: إنسانيته -صلى الله عليه وسلّم- مع المرأة على وجه الخصوص:

تميز الرسول بإنسانيته وحُسْن خُلُقه مع المرأة بصفة عامة، كابنة، وأم، وزوجة، وقريبة، فوجدناه -عليه الصلاة والسلام- يستأذن ربَّه في أن يزور أمّه فأذِن اللهُ له، ويتآلف قلب زوجه بكلمات الحب والثناء كتصريحه بحبه لخديجة وعائشة -رضي الله عنهما، وها هو يقبّل ابنته الزهراء بين عينيها، كما وجدناه يتودّد إلى “أُمّ أيمن” حاضنته، ويراها أُمَّه بعد أمِّه.

أين هذا من واقع حياة كثير من الأزواج والآباء في التعامل مع البنات والنساء والزوجات؟

الصوره السادسة: إنسانيته -صلى الله عليه وسلّم- مع الحيوان:

لم يُحرم الحيوان الأعجم من رحمة النبي وإنسانيته؛ فقد شكا الجمل إليه فأخذ حقّه من صاحبِه، وقصّ علينا قصة الرجل الذي سقى كلبا فدخل الجنّة، وحذّرنا من إيذاء الحيوان، وذمّ المرأة التي حبست الهرّة فاستحقت النار، كما نهى عن أن يُتّخذ الحيوان مرمى، وشدّد على خطورة ترويع الحيوان حتى عند الذبح الحلال المباح، فقال في حديثه المشهور الصحيح: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» حتى عند الذبح المباح تظهر إنسانيته الرفيعة.

كيف كان سلوك الرسول مع أهل بيته؟

عن عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-َ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»، ولننظر إلى شأن إنسانيته مع أهله، فنراه:

1- كان في مهنة أهله؛ يصعد للسماء السابعة ثم يعود؛ ليخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويحلبُ شاته، ويساعد أهل بيته في الطعام والشراب.

2- كان ضحّاكًا بسّامًا، يضاحكهم ويلاعبهم ويسابقهم ويتودّد إليهم، ويصرّح بحبه لزوجاته، كما كان شأنه مع أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها-.

3- كان وفيًّا وإنسانًا عظيمًا في هذه الجزئية، فقد يفي الإنسان لزوجه في حال الحياة، لكن أن يكون وفيًّا في الحياة وبعد الممات فتلك قمّة الإنسانيّة؛ كما كان -صلى الله عليه وسلّم- مع أم المؤمنين خديجة-رضي الله عنها-، وقد صرّح بحبّها وأن الله لم يرزقه خيرًا منها، وأنّه رُزِق حبّها، وكان يُهدي أهلها مما يذبح، ويكرم هالة أختها وصديقاتها.

– وأخيرًا كيف نحتفل بميلاد الرسول على الوجه الصحيح؟

– صدق (الاتباع) وليس اتباع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ادعاءً باللسان، أو حديثًا بالبيان، أو تظاهرًا وتمايلًا بالأبدان؛ إنما هو تلمذة وشوق وسير وسلوك وجهاد، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:31].

ومقتضى الاتباع:

– أن تطيعه فيما أمر به وتنتهي عمّا نهى عنه، وذلك بالاستجابة لما أمرك به على ما يأمرك به أصدقاؤك أو يفتيك به عقلك وهواك.

– التخلق بهديه في شكله وكلامه ولفظه وحركاته، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

وهو القائل: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، فعلينا الالتزام بأخلاقه.

فالاحتفاء الحقيقي يكون بالتخلق بأخلاقه العظيمة؛ لنرسم صورة الإسلام السلوكية بين الناس، حتى إذا رآنا الناسُ قالوا هؤلاء يمثّلون إسلامهم حقيقة لا ادّعاءً.

– كثرة الصلاة عليه، فالصلاة قربى وتفريجا لهمومنا، وإذا كان الله يصلي عليه والملائكة كذلك، فقد أمرنا بالصلاة عليه: (صلُّوا عليه وسلّموا عليه تسليما).

ومن الأدب توقيره عند الحديث عنه، بتقديم السيادة له والصلاة عليه دائمًا؛ فهو ليس كأي أحد، وليس أقل مقامًا أو قيمة من معالي أو فضيلة أو سيادة أي إنسان.

تمنِّي رؤيته والشوق إليه:

وتلك بعض مشاعر المحبة، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ] رواه مسلم.

محبّة محبوباته عليه الصلاة والسلام؛ تنظر فيما كان يحبه المصطفى من الأقوال والأفعال والأشخاص والجمادات وجميل الأخلاق والقيم، والسلوكيات الراقية في الذوق والتعاملات الإنسانية، ومحبة ما كان يحب من سماع القرآن ويحب من الطعام والشراب؛ فالمحب يعمل على تقليد حبيبه فيما يستطيعه ويقْوَى عليه.

– نحتفل بمحبته عن طريق تجميع الصف المسلم في كل مكان، وإيصال رسالة للعالَم أننا كما أرادنا الله أمّة واحدة، لا طبقية فيها، ولا عصبية مقيتة تقتلها، ولا تشتت يحيط بأبنائها.

الدعوة إلى منهجه وسنته وسيرته، وإرشاد الناس للخير:

فتبليغ الناس الخير الذي جاء به، ونشر هديه بين الخلْق هو أحد أهم دلائل إثبات المحبّة له؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رضي الله عنهما-، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً،….» (رواه البخاري).

حقًا لقد منّ الله تعالى على المؤمنين، بل على الإنسانية كلها برسول الله محمد -صلى الله عليه وسلّم-؛ حيث أراد الله تعالى أن يعيد للإنسانية رونقها، وللحياة لذّتها، وللدنيا نورها.

كتبت: نيفين رضا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى