مقالات حره

أمهر محتال في التاريخ… حيلة تصنيع الذهب

في عام ١٤٨٨ ميلاد اكتشف الرحالة البرتغالي “بارتو لوميو” طريقًا تجاريًا يصل مباشرة بين أوروبا وآسيا دون المرور على البحر المتوسط ثم المرور برًا بمصر المملوكية ثم البحر الأحمر ومنه إلى المحيط الهندي ثم إلى مواني آسيا والصين، واختار ملك البرتغال”جون الثاني” لهذا الطريق اسم طريق رأس الرجاء الصالح.

وهذا الطريق كان يعرفه منذ قديم الأزل البحارة العرب والهنود والصينيون لكنهم هجروه؛ لطوله و خطورته وكثرة العواصف والرياح المدمرة به على سفنهم.

ومع صعود البرتغال كقوة اقتصادية وبحرية كبرى في العالم هبطت دول أخرى اقتصاديًا وسياسيًا؛ نتيجة مباشرة للانحسار، والكساد التجاري الذي حدث لأسواقها؛ ولتحول طرق التجارة بعيدا عنها وفقدها موارد المرور والضرائب على السلع العابرة لأراضيها.

ولم تكن مصر هي المتضرر الوحيد من هذا الاكتشاف، بل كان المتضرر الأكبر الممالك الإيطالية وعلى رأسها مملكة “البندقية” التي كانت تعتبر بوابة أوروبا البحرية على العالم، فكل البضائع والمنتجات المستوردة إلى الدول الأوروبية جميعًا كانت تدخل وتنقل من البوابة البندقية وعلى أسطولها الكبير الذي يجوب بحار العالم؛ ليأتي للقارة العجوز بكل جديد وغريب من دول العالم المختلفة وخاصة الآسيوية.

ومع استيلاء الأتراك العثمانيين على جزيرة “قبرص” عام ١٥٧٠، والتي كانت بالنسبة لجمهورية البندقية الفناء والمخزن الخلفي لتجارتها، أفلست أعرق الأسر الغنية في البندقية وانهارت مصارفها واجتاح الأسواق الركود والكساد وأصبح الأمراء والعامة على حد سواء يبكون على ماضيهم الذهبي.

وأصبح الجميع يبحث عن حل؛ ليستعيدوا به مجدهم الزائل وحضارتهم الغابرة.

فى عام ١٥٨٩ انتشرت شائعات فى أنحاء البندقية عن قرب وصول عالم كبير يدعى “آل براجادينو” يتقن علوم السيمياء وهو اللفظ الذي تحول بعد ذلك إلى الكيمياء وهو “علم المعادن” وخواصها ومميزاتها، لكن هذا العلم في مثل هذه الأيام كان قاصرًا على اتجاه واحد للإجابة عن سؤال واحد هو:

كيف نحول المعادن الرخيصة إلى معدن الذهب؟

وقد انتشرت الشائعات أن هذا الرجل “براجادينو” قد حقق ثروة عظيمة من خلال تحويله للمعادن الرخيصة إلى ذهب باستخدام مادة وطريقة سرية لا يعرفها غيره.

وقد سمع أهل البندقية أن هذا الرجل يسير الخير في ركابه ويسمع صوت الذهب بين يديه، وأن جميع مقتنياته من الذهب حتى الأكواب والصحون .

وبدأ أهل البندقية يحلمون بعودة مجدهم الضائع، وسيطرتهم مرة أخرى على طرق التجارة العالمية بعد أن سرقها البرتغاليون والأسبان منهم.

فاجتمع وفد من أعرق العائلات بالمدينة وذهبوا إلى مقر وقصر “براجادينو” في مدينة “بريشيا” وتجولوا في حدائق القصر، وانبهروا حين رأوا الرجل يعرض عليهم قدراته فى صناعة الذهب حيث أخذ حفنة من معدن رخيص وحولها إلى عدة أوقية من تراب الذهب، فلم يصدق الحاضرون أعينهم وعزموا على استضافة “براجادينو” في مدينتهم وإنشاء شراكة معه؛ لتحويل المعادن إلى ذهب حصريًا فى مدينتهم، وخاصة بعدما عرفوا من اتباع “براجادينو” أن عدة أمراء وملوك يدعونه؛ لزيارة ممالكهم ودولهم والإقامة بها؛ لتنفيذ مشروعه الضخم.

وأيضًا بعد أن عرفوا أن “دوق مانتوا” أعد حفلًا أسطوريًا ؛ لاستقبال “براجادينو” وكل شيء به من الذهب.

لكن “براجادينو” طلب أموالًا كثيرة؛ لتتمتع البندقية بخدماته وأن يخصصوا له قصر وحاشية كبيرة، وأن يتركوا له الوقت المناسب؛ ليقوم بتجاربه وتحاليله المعملية دون تضيق أو تأفف.

وأمام المنافسة الشرسة بين المدن والممالك الأوروبية على استضافة الرجل، والتمتع بخدماته الجليلة وافقت العائلات البندقية على كل شروط “براجادينو“.

حضر “براجادينو” بهالته وغموضه إلى البندقية، بعينيه الثاقبتين، حاجبيه الكثيفين، كلبي حراسة كبيرين، ولفيف من الخدم، وتأكد أهل البندقية من سطوة وقدرة الرجل واستقر في قصر فخم بجزيرة “جوديكا” وانفقت جمهورية البندقية على مأدبه وثيابه ونزواته وحفلاته الأموال الطائلة.

الذهب

وانتشرت حمى الكيمياء وتحويل المعادن إلى ذهب لجموع الشعب، وأصبحت كتب الكيمياء وأدوات المعامل تلقى رواجًا منقطع النظير وأصبح الجميع يحاول ويجرب عله يعرف طريقة تحضير الذهب، بينما “براجادينو” غارقًا في الحفلات، والنزوات مع نساء الطبقة العليا اللائي يتوددن إليه؛ ليعرفن سره الأعظم وطريقته المثلى في صناعة الذهب.

وتنافس أهل المدن الأخرى مع البندقية في كسب ود “براجادينو” فأرسلوا له الهدايا الغالية مع دعوات بالحضور إلى مدنهم وممالكهم؛ ليحول ترابها إلى ذهب وفضة.

بدأ الملل والضجر يسري في نفوس النبلاء، والأمراء وحتى العامة المنتظرين الغنى والثراء على يد “براجادينو” وخاصة أنهم نفذوا للرجل كل ما أراد.

وهنا أعلن “براجادينو” أنه يحضر المادة السرية في مصنع المدينة، لكنها تحتاج إلى سبع سنين؛ لتختمر وتحول أي مقدار من المعدن إلى ذهب صاف أما لو استخدمها الآن فلن ينالوا إلا القليل من تراب الذهب.

وهنا اختلف أهل البندقية، منهم مَن يريد أن ينتظر سبع سنوات على “براجادينو“؛ ليحصد ثمار استثمارية كاملة ، ومنهم مَن يريد أن يرى الآن ثمرة هذه الاستثمارات.

وهنا أعلن “براجادينو” أنه تعرض لإهانة، وتشكيك من أهل البندقية في علمه وقدراته، ففر من البندقية إلى “ميونخ” بعد أن تلقى دعوة من “دوق بافاريا“، فقد سمع “الدوق” بأساطير الرجل وقدراته، فأراد أن يستعيد بعضًا من أمواله التي أنفقها على الحروب والحفلات والنزوات.

وهنا نتعرف على شخصية “براجادينو” الحقيقية:

إنه “سبريوت ماموننيا” مواطن فقير يتيم من أهل البندقية ذو ذكاء فذ، استغل حاجة مدينته وتطلعهم إلى أمجادهم القديمة، وعرف أسرار عقولهم، وقلوبهم التي تريد الثراء، الغنى، والتمتع بحياة الترف والقصور والأبهه لكن دون أي عمل أو إنجاز، فيكفيهم أنهم أبناء حضارة ثرية وعريقة.

لهذا هاجر “مامونيا” من البندقية وعن طريق الاحتيال والنصب بخدعة تحويل المعادن إلى ذهب كون بعض المال ثم عاد إلى “بريشيا” وأطلق أعوانه؛ لينسجوا الحكايات والأساطير عن قدراته وعلمه وإنجازاته العلمية والكيميائية في تحويل الحديد إلى ذهب، فتهافت عليه الناس كل يسعى إلى أن ينال رضاه بالهدايا الثمينة والحفلات الصاخبة والنساء الجميلات.

وأصبح الناس هم مَن يخدعون أنفسهم، وصارت حكايات وأساطير ومعجزات “براجادينو” أو “مامونيا” كالسيل الهادر تحطم عقول الإيطاليين، والأوروبيين فلا تسمح لهم بوقفة للتفكير أو التأمل في حال الرجل.

وظل “براجادينو” يحظى بالتقدير والاحترام حتى وفاته، وبعد أن انكشف أمره وعرفت كذبته، فقد كان البعض لايزال يراه عالمًا ببواطن الأمور والعلوم.

فاحذر يا صديقي ممَن يستغل حاجتك وتطلعك للثراء فينسج لك الأحلام والأوهام؛ لتقع في شباك هؤلاء النصابين المحترفين .

وقديمًا:

أعلن أحد الملوك عن جائزة كبيرة جدًا لمَن يستطيع أن يعلم حماره المحبوب القراءة والكتابة، ومَن سيفشل فى تلك المهمة سيعاقب بالموت.

لم يتقدم أحد لهذا الملك؛ لينال الجائزة ويعلم الحمار القراءة والكتابة ماعدا المواطن “جحا” فقد تقدم إلى الملك، وطلب بالجائزة الآن وأنه سوف يقوم بتعليم الحمار القراءة والكتابة، وإخضاعه للامتحان من قِبل الملك لكن بعد عشر سنين.

فالصبي الصغير يأخذ أعوامًا ؛ ليتقن القراءة والكتابة فما بالكم بالحمار، وإن “جحا” يقدم رأسه هدية لسيوف الملك إن رسب الحمار في الاختبار.

وافق الملك على شرط “جحا” وأعطاه الجائزة؛ ليتمتع بها ومعها الحمار.

ضجت المدينة بغباء “جحا” وقلة عقله وأنه ينتحر، فمَن هذا الذي يعلم الحمار القراءة والكتابة؟

وهنا صارحهم “جحا” بأن بعد عشر سنين إما سيموت الملك فينسى من بعده هذا الاختبار، أو يموت الحمار، أو يموت جحا.

لكن جحا تمتع الآن بجائزة بعض الحالمين بالمستحيل.

فلا تكن مِثل هذا الملك.

كتب : أحمد عبد الواحد إبراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى