مقالات حرهمن فات قديمه

فخر الفن الإنساني… التمثال المعجزة

الملك خفرع

 


قال “ميريت” عالم الآثار والمصريات الكبير: “لو أن البشرية أقامت جائزة لأفضل عمل فني عبر التاريخ لحقق تمثال الملك خفرع المركز الأول عن جدارة واستحقاق” .

وهذا التمثال تراه يوميًا وأنت تنفق النقود فهو التمثال الموجود على ورقة النقد المصرية فئة العشرة جنيهات.

فهذا التمثال المعجزة يكتب فيه دواوين من الشعر والنثر ليس فقط عن طبيعة التمثال المصنوع من الجرانيت، وكيف تم نقشه وتشكيله منذ أكثر من خمسة آلاف عام مضت بأدوات بدائية تعجز أدواتنا ومصانعنا الحالية الحديثة عن مجارة تلك المهارة والذوق والتناسق المبدع المعجز لهذا التمثال.

فمادة الجرانيت التي صنع منها التمثال هي ثاني أقسى مادة على سطح الأرض بعد الماس، ولا يوجد معدن قادر على تشكيله بهذه الحرفية والمهارة إلا الماس، ويكون فى يد فنان لم تنجب البشرية مثله ويمتلك معدات لا تمتلكها إلا أكبر المصانع العالمية.

كل هذا الكلام وأكثر عن طبيعة التمثال الحجرية، ومادته الفريدة لا يشكل أكثر من جزء بسيط من روعة ومهابة التمثال.

فالجزء العبقري في التمثال هو تلك الرسالة السياسية والاجتماعية والتأسيسية لعلوم الاجتماع والسياسة وتكوين وإدارة الدول.

فهذا التمثال يشرح ويلخص مبادىء غاية فى الأهمية وأهمها: كيف بنى المصريون الدولة المصرية؟

كل البشر الآن ينتمون داخل دول يشعرون أمامها بالالتزام الأخلاقي والوطني وكل دولة لها نظم وأسس لحكمها معروفة للكافة.

لكن كيف بدأت قصة بناء الدولة، وكيف تم اختيار الحاكم وعلى أي شيء استند هذا الحاكم في الحصول على الشرعية؛ ليحكم ويقود شعب على مختلف انتماءتهم الاجتماعية والحرفية والمهنية وأقاليمهم المختلفة.

من المؤكد أن القوة العسكرية ليست هي هذه العصا السحرية التي أخضعت الشعوب لإدارة حكامها وإلا لاحتاج الحكام إلى عدد من الجنود مساوي لعدد السكان، كما أن هؤلاء الجنود سيشعرون إنهم أقوى من الحاكم؛ لأنهم مَن يمسكون بالرماح والسيف، فمن السهل خلع هذا الملك وتنصيب أحد الجنود مكانه، ثم عندما يضعف هذا الجندي الملك أو يتغافل يتم اغتياله وخلعه من قبل جنود آخرين أقوى وأكثر حرصا وذكاء.

وهذا الأمر لم ولن يؤهل أي مجموعة بشرية؛ لتكوين دولة أو حتى قبيلة، فيجب أن تخضع القوى لشيء أدبي يقتنع به جميع أفراد الشعب.

هذا الشيء هو شرعية الحاكم والملك من أين يستمد شرعيته من القوة البدنية فهذه متغيرة لا ثبات فيها ولا استدامة.

ويجب أن تكون شرعية الحاكم أو الملك شرعية دائمة ثابتة لا تتغير بتغير الأحوال والظروف.

وهنا جاءت الفكرة العبقرية للمصرى القديم إن أية شرعية لأي ملك مصري يجب أن تستمتد من رغبة الآلهة الإله الواحد الذي خلق الكون والبشر ونظم لهم أمورهم وأجرى أرزاقهم وأنهارهم، هو فقط مَن يختار حاكم وملك هولاء البشر .

لكن كيف نعرف رغبات الآلهة، وإنها تفضل هذا الشخص وترفض هذا؟

الإجابة بسيطة عن طريق مَن يتصلون بالآلهة وهم الكهنة رجال الدين.

وهنا ظهر الجانب الثاني لقيادة أية دولة الشرعية الدستورية والدينية والإلهية التي ترافق الجانب الأول، وهو القوة العسكرية لقيادة الشعب المصري الذي يجلس على قمته ملك يتمتع بصفات إلهية واختاره الخالق لقيادة شعبه المختار.

وعن يمين هذا الملك جيش يأتمر بأمره فيحارب ويسالم مَن يراه الملك المختار من الإله أهلا للحرب أو السلام .

وعن يسار الملك رجال الدين الكهنة قادة وروح الشعب مَن يمتلكون قلوب ومشاعر العامة، فيجعلوهم يسمعون ويطيعون أوامر ملوكهم دون غضب.

فطاعة الملك ولي الله هي طاعة لله، ومَن أطاع الله تمتع بالفردوس الأعلى.

فتلك الحياة بمعاناتها وآلامها ما هي إلا لحظات في الحياة الأخرى الأبدية.

وهكذا صنع المصريون النموذج الأول المثالي لقيام الدول واستمرارها.

وهذا ما يوضحه التمثال المعجزة.

فالتمثال يوضح الملك خفرع بكامل قوته وهيبته المماثلة لقوة وصلابة حجر الجرانيت، لكننا عندما ننظر للتمثال من الأمام لا نرى إلا الملك خفرع القوي لكننا لو نظرنا إليه من جانب آخر رأينا الإله حورس الذي يرمز له بالصقر، يقف خلف الملك يحميه ويلقنه الحكمة وقواعد قيادة شعبه المختار المحبوب لقلب الله الشعب المصري.

فنحن كشعب لا نرى من الملك إلا صفاته البشرية، لكن الحقيقة الخفية عن جموع الشعب هي أن الملك يتلقى الحكمة والتعاليم المثلى لقيادة الشعب المصري.

فكل أمر ملكي هو في حقيقته أمر إلهي يجب تنفيذه على الفور؛ لينعم المصري برضا الملك والإله على حد سواء ويضمن النعيم في الدنيا والآخرة، و مَن لا ينفذ تعليمات الملك سينال العقاب فى الدنيا من الملك خفرع، والجحيم في الآخرة من الإله الواحد.

كما أن الملك خفرع لا يوحي الإله له فقط بالحكمة ويطلعه على الغيب، لكن الإله يحمي الملك والمملكة المصرية فهي المحروسة بقوة الحفيظ، فمَن يستطيع أن يتحدى مَن يحميه الإله.

هذا بعض مما يريد صانع التمثال المعجزة أن يقوله ويخبر به الشعب المصري.

هذا الفنان العالم بعلوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد والمعادن والطبيعة وقيادة الأمم لم نعرف اسمه، لكنه أحد العباقرة الكثيرين الذين بنوا الحضارة المصرية والإنسانية.

وساهموا بجهد مشكور في وصول الإنسان لما هو عليه الآن من تطور حضاري وتكنولوجي، فلهذا العالم والعبقري منا كل تقدير واحترام.

كتب: أحمد عبدالواحد إبراهيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى