من فات قديمه

الحضارة المصرية…. التي خلدت صانعيها وسارقيها


للحضارة المصرية سر عجيب فريد تميزت به عن سائر الحضارات القديمة والحديثة، وهذا السر الدفين في جميع الآثار المصرية والذي تجده في كل الآثار المصرية للمعابد والمقابر والتوابيت المصرية هو سعي تلك الحضارة نحو الخلود.

فمنذ اللبنة الأولى في صرح الحضارة المصرية، كان البناء المصري يبحث عن الخلود ويرى بوضوح العالم غير المنظور والمسمى بالعالم الآخر أو يوم الحساب أو الآخرة، ويعرف أنها الحياة الدائمة الباقية الخالدة، وقد وظف وطوع المصري القديم كل إمكانياته العقلية والجسدية والبيئية والطبيعية؛ لخدمة هدفه الأسمى وهو الخلود ودخول جنة الفردوس، حيث النعيم الأبدي الخالد أو لا قدر الله الجحيم الأبدي الخالد أيضا.

royal mummies



لهذا فكان المصرى القديم ينظر إلى تلك الحياة الدنيوية نظرة عاقلة لا إفراط فيها ولا تفريط. فهو يستمتع بتلك الحياة بالقدر المعقول، فزرع الأرض لطعامه واخترع الأدوات والآلات التي تساعده في زيادة المحاصيل ومقاومة الآفات والحشرات، وابتكر الأدوية والعلاجات؛ ليحيا حياة صحية بعيدة عن الألم، كما ابتكر نظما سياسية واجتماعية ووضع القوانين والأعراف التي تمكنه من الحياة فى أمن وأمان واستقرار في ظل دولة موحدة يتمتع فيها بكل الحقوق والواجبات الوطنية.

وأيضا لم ينس أثناء سعيه الحضاري وفكرته الأساسية عن الخلود، فلم يبالغ في بناء منازله الدنيوية، وبناها من الطوب اللبن الموجود بكثرة فى بيئته المحيطة، بينما قام ببناء المعابد الإلهية والمقابر التي تدعم فكرته عن الخلود من الحجارة والجرانيت؛ لتتحمل مرور الأيام والسنين، وتقف سدا منيعا أمام الفناء وتقلبات الطبيعة وكوارثها.

وهذا ما حدث تماما فقد عبرت لنا التماثيل والكنوز وبعض المعابد والمقابر المصرية القديمة آلاف السنين، كأن المقابر أغلقت أمس أو كان البناؤون انتهوا من أعمالهم المعمارية والفنية منذ عدة ساعات، فالألوان زاهية أنيقة واضحة تخطف الأبصار.

ومن المدهش أن تلك الحضارة المصرية أورثت سرها وخلودها ليس لملوكها وصانعيها فقط، بل منحت الخلود أيضا لسارقيها وكل من امتدت يداه إليها سواء بخير أو بشر.

وبعضنا قد يعرف “هورد كارتر” مكتشف مقبرة “توت عنخ آمون” ، وكيف تحول بين ليلة وضحاها من متسول مغامر لا عمل له إلى نجم الصحافة العالمية، والمكتشف الأشهر في العالم وبرغم موته المفاجئ في حادث اصطدام بسيارة وهو خارج من أحد النوادي الليلية (لعنة الفراعنة) لكن اسمه ظل وسيظل مرتبطا باسم الملك “توت عنخ آمون” للأبد.

Tut eankh amun 2

 


وهناك لصوص مقابر وتجار آثار فرعونية خلدوا أنفسهم للأبد؛ لارتباط اسمهم بقطعة آثار من الحضارة المصرية الخالدة.
ومن هؤلاء الرجال إنجليزي يدعى “هنري وستكار” ولد فى نهاية القرن السابع عشر (ولد عام ١٧٩٨م وتوفي عام ١٨٦٨م) وقد جاء إلى مصر؛ ليتاجر بها وليكون أحد العيون الإنجليزية على الأراضي المصرية.

فبعدما فشلت انجلترا في احتلال مصر عام ١٨٠٧م أثناء حملة فريزر، ظلت ترسل عيونها وتجارها؛ ليمهدوا الطريق لحملة أخرى يحتلون فيها الأراضي المصرية بعدما اكتشفوا أهمية موقع مصر الاستراتيجي وتوسطها قارات العالم القديم، واكتشفوا أيضا كنوزها الطبيعية وحضارتها الخفية في رمال صحرائها.

وأصبح “هنرى وستكار” تاجر آثار معروف، حيث إنه يشتري الآثار المصرية من العامة ببضعة قروش ويبيعها للسادة في أوروبا بوزنها ذهبا وفضة، لكنه لم يرد أن يبيع إحدى اللفائف الهامة وأصر أن يحتفظ بها؛ لتمنحه الخلود المنشود لأي بان أو عاشق للحضارة المصرية.

وهذه اللفائف أو البردية ورثتها ابنته الآنسة “وستكار” وذهبت بها إلى العالم الألماني “كارل ريتشارد ليسيوس” عند زيارته لانجلترا، ولأهمية البردية طلب منها العالم “كارل” الاحتفاظ بها وترجمتها، فوافقت الابنة على أن تسمي تلك البردية باسم والدها ووافق العالم “كارل” وعندما عاد إلى ألمانيا أودعها في متحف برلين بعدما قام هو وعدة علماء آخرين بترجمة البردية إلى عدة لغات، والبردية الآن محفوظة في متحف برلين بألمانيا وتحمل رقم ٢٠٢٢ باسم بردية وستكار.

وفي المقالة القادمة سنستعرض معا تلك البردية المهمة التي تؤرخ لكيفية ميلاد فن الأدب والقصة والحكاية في الحضارة المصرية الخالدة.


زر الذهاب إلى الأعلى