مقالات حرهمنوعات

كيف نستعيد مفهوم الأسرة في حياتنا؟ الجزء الأول

الأسرة

 

تضاءل مفهوم الأسرة في حياتنا، وزادت الفرقة بين أعضائها، فلا يوجد تواصل اجتماعي حقيقي بينهم، كل منهم في واد يهيم فيه، وارتفعت معدلات الطلاق، فالأسرة هي وسيلة البناء للمجتمع الرشيد، ولابد من العمل علي استعادة هذا المفهوم لمجتمعنا.

وفي محاولة من آدم لتنوير وتثقيف الأجيال الجديدة بمفهوم الأسرة، نلتقي في حوار خاص مع الدكتور عادل هندي أستاذ مساعد في كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر؛ كي نتعرف معاً على:

 

الأسرة
الدكتور عادل هندي

 

– قيمة الأسرة ومكانتها في بناء المجتمع.

– كيف أسس الإسلام لبناء أسرة ناجحة رشيدة؟

– ثمرات الأسرة الناجحة في الدنيا والآخرة.

– عادات وتقاليد تهدم كيان الأسرة.

– صفات الأسرة المثالية.

 ما قيمة الأسرة ومكانتها في المجتمع؟

 

يقول علماء اللغة إن أسرة الرجل رهطه وعشيرته؛ لأنه يتقوّى بهم، والأسرة كما ذكرت في -معاجم اللغة- : هي الدرع الحصين، ومن هذا المنطلق نقول في مقدمة أهل الرجل: زوجه وأبناؤه.

فالأسرة إذًا هي عائلة الرجل وبيته وأهله الأقربون، ولها أركان: «زوج وزوجة وأبناء»، وإذا صلُح الأصل، كان الفرع أقْرب إلى الصلاح، إذا شاء الله -تعالى- وينشأ ناشئ الفتيان على ما كان عوّده أبوه!!

والأُسْرة هي اللبنة الأولى والبذرة المتألّقة في صناعة وإنتاج المجتمع صالحًا كان أو فاسدًا، وهي منبت الرّجال وكذا أنصاف الرّجال، لكن تبقى الأسرة الصالحة هي أول درجة من درجات بناء المجتمع الصالح.

وإذا كان البيت والشارع والمدرسة والمجتمع هم ركائز التربية الأساسية، فإنّ الأسرة هي المؤثر الأول، وهي أقوى تلك الركائز التي ينبغي أن تقوم على جوانب اجتماعية وخلقية وروحية؛ لأهميتها في حياة المسلم الذي يتلقى أول دروس الحياة منها، ويلعب الآباء فيها دوراً كبيراً في تنشئة الجيل المسلم الذي يحمل نور الهداية إلى المجتمع.

اقرأ أيضًا: الإسلام يرّغب ونحن ننفر

 كيف أسس الإسلام لبناء أسرة ناجحة رشيدة؟

 

لقد أوْلى الإسلام الأسرة رعايةً بالغة، وعنايةً فائقة، وشغلت الأُسرة حيّزاً كبيراً من أحكام القرآن والسنّة، منها:

1- جعل الزوجية سنة كونية في الخلق؛ تمهيدًا لطلب ذلك من البشر على وجه الأرض، قال -سبحانه وتعالى- : {وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [الرعد: 3] وقال -عزّ شأنه- : {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49]

2- الدعوة إلى تكوين الأسر وإقامة النكاح والزواج، حيث جعله الوسيلة الشرعية الوحيدة؛ لإقامة حياة أسرية سليمة وصحيحة، ودعا إلى تيسير وسائله؛ فقال -سبحانه وتعالى- ممتنًّا على عباده: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
فتكوين الأسرة دين، والحفاظ عليها إيمان، ومكافحة ما يهدد كيانها جهاد، ورعاية ثمراتها من أبناء وبنات جزء من شريعة الإسلام.

3- الدعوة إلى حُسْن اختيار الزوج والزوجة؛ فليست الحياة الأسرية عبارة عن قضاء شهوة جنسية؛ بل هي علاقة تقوم على أسس تعبدية وقيميّة وخلقية، كما أنها وسيلة التغيير في الأخلاق والقيم، من خلال منظومة التربية الصالحة، ففي القرآن يقول الله -تعالى- : {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32] ، فالدّعوة إلى النكاح جزء، والمهم هو الاختيار الحسنْ.

وفي الحديث عند الترمذي وهو حديث حسن: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- : «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ»، وكما في الحديث المتفق عليه عند البخاري ومسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَالَ: “تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ”. فإذا كان الإسلام قد أمر بحُسْن اختيار الصاحب والصديق في طريق أو عمل أو جيرة، فمن باب أولى حُسْن اختيار رفيق الحياة وشريكها في الحياة الزّوْجِيّة؛ ففترتها أطْوَل، وضريبتها أعْلَى.

4- إعلان الدَّور الصحيح للأسرة في الحياة ووضع الخطوط العريضة لنجاحها وبيان مهمة الأسرة في التربية على الأخلاق الفاضلة والخلال الحميدَة للأبناء والبنات، فأرشد إلى مسئولية ولي الأَمْـر في حماية ونصيحة من يتولّى أمرهُم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]، وفي الحديث كما عند البخاري في صحيحه: “كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا”.

5- بيان الهدف السامي لبناء الأسرة واستمرارها، فما كانت الحياة الزوجية والأسرية عبارة عن قضاء شهوة فحسب؛ يقول العقاد: في (الفلسفة القرآنية) ليست العلاقة بين الرجل والمرأة صفقة تجارية بين شريكين في المعيشة، ولا ضرورة لإسكات صيحات الجسد والاستراحة من غوايته الشيطانية، ولا تسويغ الشهوة بمسوغ الشريعة، ولا هي علاقة عدمها خير من وجودها إذا تأتَّى للرجل أو للمرأة أن يستغني عنها…. ولكنها قبل هذا وبعده علاقة إنسانية جديرة بالاحترام والتقديس، فهي علاقة بين الزوج والزوجة، وبين الزوجين والأبناء، وبين هؤلاء جميعًا والأبوين، إلا أنها مع هذه العلاقات المتعدَّدة التي تُشكّل حجر الأساس في البناء الاجتماعي، وتشمل الزوجين والأبناء والآباء تبدأ في حقيقتها باجتماع رجل وامرأة في حياة واحدة ذات هدف مشترك، هو إثراء الحياة بمزيد من الحبّ والنسل الصالح.

اقرأ أيضًا:انفجار في معدلات الطلاق”خراب البيوت”

 ما ثمرات الأسره الناجحة في الدنيا والآخرة؟

 

الأسرة الناجحة الرشيدة تضمن جنتين (جنـة الدنيا وجنـة الآخرة) فأمّا جنّة الدنيا فقد عبّر الله عنها بقوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] فالحياة السعيدة جنَّةٌ من الله يمنّ بها على عبده في الحياة قبل الممات،
وأَمّا جنّة الآخرة: فيقول عزّ وجلّ: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43].

اقرأ أيضًا: إختيار شريك الحياة

زر الذهاب إلى الأعلى