مقالات حرهمنوعات

بطولات نسائية..2..

"حياة مؤلمة وفقدان أحبة فتكريم وسعادة أبدية"

“ماري كوري”.. الحاصلة على نوبل مرتين

 

“البطولة” كلمة نسبية ومعنى يختلف من شخص لآخر ومن وقت لآخر أيضآ فيمكن أن يكون معناها لديك خاص بعمل معين أو شخص ما مختلف تمامآ عن مفهومها لدي وغالبآ ما يقتصر علي الرجال ولكن كالعادة تأتي صاحبة تاء التأنيث لتغير كل ما هو ثابت…

بطلتنا اليوم هي إمرأة هزت عرش العلم، حاصلة على جائزة نوبل مرتين في مجالين مختلفين في إنجاز كبير لم يستطع أن يحققه أحد في هذا الوقت هي مكتشفة العنصرين المشعين الريديوم والبولينيوم عالمة الكيمياء والفيزياء ماري كوري أو ماريا سكلودوفسكي…

-المولد والنشأة:

لم تكن حياة ماريا مرفهة بل عاشت لحظات صعبة منذ ولادتها في وطن محتل مسلوب الحرية وفقد لأعز ما تملك ثم عمل كمربية للأطفال بأحد المنازل وسفر للخارج لإستكمال تعليمها كانت أبرز المحطات في حياة ماري ولكن نعلم جميعاً أن الماس لا يصقل إلا تحت الضغط الشديد.

يبدأ قصتنا من شارع فريتا بمدينة وارسو عاصمة بولندا التي كانت في هذا الوقت تحت الحكم الروسي يولد لمدرس الرياضيات والفيزياء فلاديسلاف سكلودوفسكي و برونيسلاوا رئيسة إحدى أرقى مدارس البنات في وارسو الإبنة الخامسة ماريا في 7 نوفمبر 1867 لها من الإخوة أربعة ثلاث بنات صوفيا وبرونيسلاوا وهيلينا والأخ جوزيف.

عاشت طفولة سعيدة ولكن ليس لوقت طويل فمرض السل أصاب والدتها وهو مرض معدي فحرمت من حضن أمها وهي في سن مبكرة ولم تكن هذه أكبر فاجعة فالموت طرق الأبواب وتوفيت أختها الكبرى صوفيا بمرض التيفود عام 1876 وبعد عامين فقط تموت أمها لتدخل ماريا في نوبة إكتئاب وتدير ظهرها للدنيا.

كانت ماريا طالبة متفوقة وكان الروس يفرضون اللغة الروسية كلغة رسمية ويمحون كل ماهو بولندي ولكن في مدرسة أمها كان يتم تعليم العلوم البولندية وعند وجود تفتيش فإن الكتب البولندية تختفي وتظهر الكتب الروسية ومن غيرها إبنة رئيسة المدرسة التي ستقوم وتجيب على كافة الأسئلة وباللغة الروسية ولم يكن هذا حال ماريا فقط فكل أبناء فلاديسلاف كانو متفوقين.

وبتشجيع من والدها وأخواتها أقبلت ماريا مرة أخرى على الحياة وبعد إنتهاء دراستها الثانوية قررت إستكمال الدراسة الجامعية ولم يكن قرارها وحدها فأختها برونيسلاوا تقرر أيضاً إستكمال دراسة الطب ولكن جامعة وارسو لم تكن تقبل أي شابة فتقرر الأختان التعليم في فرنسا وبسبب الظروف المادية للأب يتم عقد بين الأختين تسافر برونيسلاوا لدراسة الطب وتعمل ماريا وترسل لها الأموال وبعد إنتهاء دراسة برونيسلاوا تعمل وترسل الأموال لماريا لتستكمل دراستها هي الأخرى ويتم العقد وتسافر برونيسلاوا إلى باريس،
أما ماريا تعمل كمربية أطفال في أحد المنازل التي تبعد عن العاصمة وارسو في إحدى منازل الأغنياء ويقابلونها بكل الحب والود والإحترام إلى أن يحدث مالم يكن متوقع،
فالإبن الأكبر يقع في حب المربية ويطلب منها الزواج الأمر الذي قابله الأهل بالرفض فكيف لإبن الأثرياء أن يقع في حب خادمة أو مربية وتضطر ماريا أن تكمل عملها حتى تستكمل أختها تعليمها وبعد إنتهاء دراسة برونيسلاوا ونتيجة للحزن الذي تركه هذا الموقف بداخلها قررت الاعتناء بعائلتها وعدم السفر إلا أن إلحاح أختها وتشجيع والدها كانا سببا في سفرها إلى فرنسا وبدئ حياة جديدة.

– أمل جديد وحياة جديدة وإسم جديد:

بحلول نوفمبر من عام 1891 كانت ماريا قد التحقت بكلية العلوم وسجلت إسمها في جامعة السوربون بإسم ماري وعاشت في الحي اللاتيني وفضلت عدم الخضوع للإمتحانات في عامها الأول في الجامعة.
وبعد عامين فقط حصلت على البكالوريوس في الفيزياء والرياضيات بتفوق فكانت الأولى على زملائها ورُشحت من أحد أساتذتها للعمل المغناطيسية ويدلها على معمل بيير كوري أحد أكبر المعامل في هذا المجال وتعمل لدى بيير لفترة وبعد إلحاح من بيير تعطي ماري لنفسها فرصة مرة أخرى للحب وتتزوج من بيير عام 1895 وأنجبا إبنتهما الأولى إيرين بعد عامين ولكن لم يمنع هذا ماري كوري (الإسم بعد الزواج) من مواصلة عملها وقدمت أول ورقة بحثية في المغناطيسية عام 1898.

-إكتشاف الريديوم والبولينيوم:

قررت ماري العمل على أشعة بيكريل أو الأشعة المنبعثة من المواد المشعة وبإستخدام معدات حساسة بدأت العمل بدعم من زوجها الذي تخلى عن بحثه الخاص لمساعدة زوجته وبدأت في قياس النشاط الإشعاعي في اليورانيوم الذي يحتوي على شوائب pichblend ثم اليوانيوم الخالص ثم pichblend لتكتشف أن شوائب pichblend أكثر إشعاعاً ،
وتفترض أن هناك مواد أكثر إشعاعاً من اليورانيوم واكتشفت من خلال الخواص الفيزيائية عنصرين جديدين الأول أطلقت عليه بولينيوم نسبة إلى وطنها والثاني ريديوم وحصل الزوجان بهذا الإكتشاف على جائزة نوبل وكان هذا بعد حزنها على فقدان أبيها.

 

-ماري مرة أخرى تفقد حب حياتها:

في حادث عام 1906 مات زوجها بيير كوري وتتولى ماري من بعده مهمة تربية إبنتهما وأيضاً عمله كأستاذ بجامعة السربون ومهمة المعمل أيضاً وتلقي بنفسها في العمل حتى لا تدخل في نوبة حزن.

-نوبل الثانية وفضيحة ماري:

حصلت ماري على جائزة نوبل للمرة الثانية في الكيمياء عام 1911 تقديراً لجهودها في تحضير عنصر الريديوم وإكتشاف خواصه هو وعنصر البولينيوم ، ولكن كان هذا تزامناً مع نشر الصحافة لرسائل غرامية بين السيدة كوري وعالم الفيزياء لانجفين فاستلمت كوري الجائزة وقررت الإختفاء من الساحة تماماً.

 

-بطولة ماري كوري في الحرب العالمية الأولى:

أنقذت ماري كوري حوالي مليون جندي مصاب في الحرب العالمية الأولى عن طريق “وحدات كوري الصغيرة” وهي وحدات x-ray متنقلة تكشف عن أماكن الشظايا فيسهل على الأطباء إسعاف المصابين ودربت عدد من النساء للعمل على هذه الوحدات وساعدتها في ذلك إبنتها إيرين التي كانت تبلغ 17 عام في هذا الوقت.

-آخر أيام ماري وإنتهاء الحزن:

بعد إنتهاء الحرب أصبحت ماري شخصية عامة معروفة عالمياً فأنشأت عام 1920 مؤسسة ماري التي تم الإعتراف بها كمؤسسة ذات منفعة في معالجة السرطان،
حصلت بعد ذلك على العديد من الأوسمة والجوائز ولعل رحلتها إلى الولايات المتحدة وإلتقائها بالرئيس الأمريكي وارن جي هاردينج الذي قدم لها في حفل مفتاح ذهبي لتابوت يحتوي على جرام من الريديوم، أسمعك عزيزي القارئ وأنت تقول (ياما جاب الغراب لأمه) ولكن يا عزيزي تكلفة هذا الجرام كانت تزيد عن 1.3 مليون دولار فتخيل هذا الرقم مقابل جرام من هذه المادة.

كانت سعادة ماري كوري حينما شاهدت إبنتها وزوجها وهما يحضران النظائر المشعة للعناصر صناعياً فعلمت أنه قد جاء الوقت لتستلم إبنتها إيرين المهمة بعد والدتها وتموت ماري في 1934 وتركت خلفها إرثاً لا يمكن المساس به. بالفعل عزيزي القارئ لا يمكن المساس به فمذكراتها مازالت مشعة حتى الآن ومحفوظة في صناديق من الرصاص وحتى موتها كان بسبب فقر الدم اللاتنسجي الذي يعتقد أنه بسبب الإشعاع.

كتب: أحمد عبدالسلام

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *