مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي، فرضت ثقافة الفيديو منطقها الخاص كأداة لتشكيل الذوق العام، وأنماط التفكير، وحتى اللغة، حيث تخطى الفيديو دوره التقليدي كأداة لنقل المعرفة أو الترفيه، وأصبحنا نعيش عصر الاستسهال البصري، حيث تُختزل الفكرة، والقضية، والتجربة الإنسانية كاملة، في 30 ثانية.

وسط هذا المشهد، تظهر ما يمكن تسميته – دون مبالغة – نظرية “أي حاجة في رغيف”: أي محتوى ضحل، أي فكرة تافهة، أي مذهب مخالف أو متطرف طالما يمكن اقحامه داخل فيديو قصير، فهو صالح للاستهلاك، بل وقابل للانتشار.

ما هي نظرية “أي حاجة في رغيف”؟

التعبير شعبي وبسيط، لكنه دقيق جدًا، فهو يعبر عن منطق استهلاكي فج يقول إن القيمة لا تأتي من الجودة أو العمق، بل من: سهولة البلع، سرعة التلقي، وقابلية المشاركة، تمامًا كمن يضع “أي حاجة” داخل رغيف خبز ويقول: “الساندوتش دا كده كفاية”.

في سياق ثقافة الفيديو، تتحول هذه النظرية إلى قاعدة ذهبية: لا يهم ماذا تقول… المهم أن تقول بسرعة، وبصورة ملفتة، ولافته، وبأقل جهد ذهني ممكن.

ثقافة الفيديو ونظرية أي حاجة في رغيف

ثقافة الفيديو القصير: حين يصبح الشكل أهم من المعنى

ساهم انتشار منصات مثل TikTok و Reels و Shorts في ترسيخ ثقافة الفيديو السريع التي أعادت تشكيل العقل الجمعي على أسس جديدة هي:

  • اختصار الزمن = اختصار التفكير: الفيديو القصير لا يمنحك وقتًا للتأمل أو الشك أو إعادة التقييم. هو يمرّ… ويُنسى… ويُستبدل. بحسب دراسة لـ (Microsoft 2015)، انخفض متوسط فترة التركيز لدى الإنسان إلى نحو 8 ثوانٍ – أقل من السمكة الذهبية.
  • الخوارزميات لا تحب العمق: الخوارزميات تكافئ الصدمة، الغرابة، الاستفزاز، والسطحية القابلة للتكرار، ولا تكافئ التحليل، التناقض، أو الأسئلة المفتوحة.
تأثير ثقافة الفيديو القصير على اختصار الزمن والتفكير

ثقافة الترند وصناعة “الزومبي” الرقمي

وهنا تصبح “أي حاجة في رغيف” ليست خيارًا فرديًا، بل ضرورة للبقاء الرقمي، بل أثرت أيضًا على الإنتاج الثقافي والأدبي والفني، وظهر هذا جليًا في الصحافة الحديثة وأغلب المواقع الإلكترونية، والمنصات الجديدة، وإعلام الترند، وأيضًا برامج التوك شو، وتتحول هنا القضايا التي تشغل المجتمع هي المواقف التافهة المثيرة للجدل، لنجد ظهور نجوم بمواصفات كروان مشاكل وشبيه العندليب وشبه جعفر والتي تشبه لبنى عبد العزيز، لنغرق في بحر تشويه وتدمير ثقافي وفكري وفني، لنتحول لمجموعة من أشباه البشر و”الزومبي”، وهو ما يمهد الطريق لانتشار ظاهرة العفن العقلي التي تلتهم وعي الأجيال الجديدة وتجعلهم مجرد مستهلكين سلبيين للترند دون أي قدرة على النقد أو التحليل.

ظاهرة الزومبي الرقمي والانسياق للترند

من الثقافة الرصينة إلى “المحتوى”: انقلاب المفاهيم

  • في الماضي: الثقافة = معرفة + سياق + قراءة + تراكم، والمثقف = منتج معنى. 
  • اليوم: الثقافة = محتوى، والمحتوى = ما يُشاهد أكثر. 

هذا الانقلاب أنتج ظواهر خطيرة منها: 

  1. تسطيح القضايا المعقدة.
  2. تحويل المأساة إلى ترند.
  3. مساواة الرأي بالمعلومة.
  4. صحافة الترند والفضائح.

“نحن لا نخشى أن تُمنع عنا الحقيقة، بل أن نغرق في الوهم والتفاهة والتدني المعرفي”، وهنا يظهر السؤال المهم: هل المشكلة في الفيديو نفسه؟، أم المشكلة في منطق الاستهلاك، الفيديو هو وسيط يمكن أن يكون أداة تعليم مذهلة، لكن حين يُحكم بمنطق: “هات أي حاجة… المهم تتشاف: نحن لا ننتج فيديوهات أو إعلام، بل ننتج فراغًا بصريًا وفكريا متكررًا، يؤدي بحسب دراسات حديثة إلى زيادة القلق، ضعف الذاكرة طويلة المدى، وسطحية الوعي.

خلاصة القول، إن ثقافة الفيديو ليست عدوًا في حد ذاتها، لكن الاستسهال عدو شرس، ونظرية “أي حاجة في رغيف” قد تشبع الجوع اللحظي، لكنها لا تبني عقلًا، ولا تصنع وعيًا، ولا تترك أثرًا يستحق البقاء، فالحل ليس في الهروب، بل في إعادة الاعتبار للمعنى، ومقاومة الخوارزمية بالوعي لتبني مجتمعًا واعيًا وقويًا.

كتب: محمد بلال.

الأسئلة الشائعة حول ثقافة الفيديو

لماذا تعتبر ثقافة الفيديو القصير خطيرة على التركيز؟

لأنها تعود العقل على المكافأة السريعة والمعلومة المجتزأة، مما يضعف القدرة على القراءة العميقة والتحليل.

ما المقصود بنظرية “أي حاجة في رغيف”؟

هي سياسة إنتاج محتوى سطحي وسريع يركز على سرعة الانتشار (الترند) بدلًا من القيمة المعرفية أو جودة المضمون.

كيف نحمي أنفسنا من تسطيح الوعي الرقمي؟

من خلال تنويع مصادر المعرفة، ممارسة القراءة الطويلة، ودعم صناع المحتوى الذين لا يخجلون من العمق ويحترمون عقل المشاهد.