كثيرًا ما يدور في عقل وقلب كل إنسان أسئلة عامة وغير محددة، وهذه الأسئلة العامة تأتي إلينا بإجابة عامة أيضًا، وهذا لأن العقل لا يستطيع أن يفكر بشكل محدد على سؤال غير محدد مثل هذه الأسئلة وإن كانت هامة إلا إنها قد تكون غير مجزية لا لعيب فيها وإنما لعيب في نتائجها التي لا تظهر، مثل هذه الأسئلة لا بد من توجيهها والتحكم فيها من أجل أن تكون محددة، ربما المجهود الذي يبذل في تحديدها أصعب وأقوى من المجهود الذي يبذل في الإجابة عليها.

هناك سؤال من مثل هذه الأسئلة يتداول على لساني ولسان الآخرين بطريقة شائعة جدًا، أخذ وقت من عقول الجميع في التفكير فيه سواء في الصغر أو الكبر، سؤال ينطلق بسهولة على الألسنة للدرجة التي جعلت منه كلمة أساسية في القاموس العام للمجتمع، الحقيقة إن انتشاره الكبير هذا كان سببًا كبيرًا في التقليل من هيبته وأثر فعله في العقل حتى اقترب من أن يكون مجرد كلام عابر يتداوله العامة.

الإجابة عليه تكون صعبة أو مستحيلة خاصة وهو سؤال يشمل كل شيء تقريبًا، فكيف يكون قدر الإجابة عليه، والمفارقة أن في الحوار العام بين الأفراد توجد إجابة، ولكنها إجابة على نفس القدر من عمومية السؤال فتصبح هي الأخرى غير محددة وفاقدة لكل حاسة للفهم والإيضاح، غالبًا ما تكون الإجابة بكلمة أو اثنتين، وإذا أردنا التحقيق والتحديد وليس العمومية فإنه علينا تحديد المعنى من السؤال والهدف منه وشرحه وتقسيمه إلى أقسام وفروع، ثم تفنيده وأخذ كل قسم بمفرده وكل فرع في قسمه، في النهاية قد نصل إلى فهم أو شبه فهم وقد تكون هناك رؤية واضحة أو شبه واضحة.

اقرأ أيضًا: الخروج من المتاهة

ولكن هناك بعض الصعوبات التي قد تواجه القيام بهذه العملية، ألا وهي التحديد والتقسيم والتفنيد، إن العملية متشعبة ومترابطة رغم إن كل شيء نستطيع أن نقول عليه أنه منفصل كجزء بمفرده، إلا أنه من المستحيل أن نفك هذا الترابط والتشعب؛ لأن كل شيء مترابط مع الآخر والآخرين مثل شبكة العنكبوت تظهر من بعيد أنها عبارة عن كومة من النسيج إلا أننا حين ندقق النظر نجد أنها عبارة عن خطوط طولية منفصلة وخيوط عرضية منفصلة متداخلين سويًا بحيث إنهم يكونون شيئا ما.

وتكمن الصعوبة أيضًا في زاوية أخرى عند النظر في هذا السؤال أو التفكير فيه، ألا وهي البداية والنهاية والتراكم الذي سير الأمور من أجل التحرك من البداية والنهاية، فكل جانب منه له بداية ونهاية وتراكمات وتغيرات تحدث كل يوم، أما النهاية فالجميع يعتقد أنها حتمية ستكون إلا أن لا أحد يعلم النطاق الزمنى لها، والإشكالية الأخرى إن البداية بالأساس مختلف عليها عند الجميع، وكذلك التغييرات والأحداث التي تغير الأمور مختلف عليها، ذلك الاختلاف في البدايات والأحداث التالية له والتي تتطور وتؤثر بعضها على بعض خاصة مع قدم هذا الاختلاف قدم عمر الحياة بكل تفاصيلها، جعل التراكم والتطور يشمل كل ركن أو كل خيط من خيوط شبكة العنكبوت الأمر الذي جعل كل ركن فيها عملاق للدرجة التي يصعب النظر فيها.

إلا أنه أيضًا بالنظر إلى أكبر شجرة في الأرض من حيث الحجم والقوة والمتانة وعدد الأفرع والجذوع والأوراق والثمار، يجعل فرق بحث متخصصة تدرسها لسنوات طويلة لكي تصل إلى نتيجة ما، هذه الشجرة العملاقة وإن كانت كذلك الآن إلا أنها في البداية لم تكن إلا بذرة صغيرة وصارت تنمو بعد ذلك.

عذرًا غفلت ذكر السؤال الذي نحن بصدد التفكير فيه، السؤال الذي نحن بصدد التفكير والغوص في عالمه هو (إيه الدنيا كما هو شائع في اللغة العامية) أو ما هي الدنيا بالفصحى، لا يهم صيغة طرحه كل ما يهمني هو تحديد معناه؛ لأنه سؤال غير محدد ويشمل بين طياته عالمنا جميعًا وعند سماع هذا السؤال بين العامة والخاصة نجده سؤالا مبهما وغير مفهوم وكثيرًا ما تكون الإجابة عليه من الطرف الآخر على حسب حالته المزاجية والنفسية، فمنهم من يقول: “فل.. عنب.. تمام.. زفت.. فانية.. مسرح كبير..”، وكلام كثير يختلف من شخص لآخر.

تطور الدنيا منذ بدايتها إلى الآن، شهد الكثير من التغيرات والأحداث التي تحتاج إلى تفسير وكثير من المفسرين تطرق لها، الأمر الذي جعل هناك الكثير من التفسيرات وهذه التفسيرات مختلفة على قدر فكر وفهم صاحبها، ومع تشابه الكثير من التفسيرات أصبح هناك اتجاهات للتفكير والتفسير وكل اتجاه يلزم صاحبه ببعض الأفكار والسلوك والفعل.

كل هذا الاختلافات في التفسير والرؤية ليس عبثًا، وإنما جاء من خلال أحداث على خط الزمان كثيرة، جعلت من كل اتجاه له قدر من الصلابة والوجود بحيث إنه لا ينبغي إنكاره والخلاف معه؛ لأن من ضمن التطورات هناك توتر يحدث دائمًا عند تقاطع خطين أو اتجاهين.. إلا إن كل هذه الأفكار والاتجاهات كانت في البداية لا شيء أو شيء ضئيل جدًا، إلا إنه نمى وتطور وتبلور حتى أصبح شيئًا هائلًا من الصعب فهمه مجرد أو غير مجرد، ما نحن بصدد فعله هو البحث في تاريخ هذا الخط والخطوط الأخرى منذ أن كانت بذرة حتى أصبحت شجرة عملاقة خاصة أن الشجر العملاق كثر وخيوط العنكبوت ملأت الأرض، فلا بد من التريث لفكها عن بعضها البعض ودراستها منفردة

يتبع..

اقرأ أيضًا: فرق توقيت الأجيال

كتب: مصطفى رجب.