حالة مصرية فريدة ومتميزة من الصعب حصرها في قول إنها مجرد إذاعة، فهي عمود متين البناء يمكث بكل ثبات داخل البيوت المصرية منذ أمد بعيد ، تربينا على أصوات مذيعيها وقراءها ، هي كيان مصري عظيم كان ومازال السر وراء استمرارها على مدار 56 عاما نقاء هدفها وطهارة فكرها ولاتزال إذاعة القرآن الكريم كما عاهدناها.
إذاعة القرآن الكريم تم تأسيسها يوم 29 مارس سنة 1964 وتعتبر إذاعة القرآن الكريم أول وأهم إذاعة دينية على مستوى مصر و غيرها من البلدان العربية والإسلامية.
في بداية الستينات انتشرت نسخة من المصحف الشريف كانت خلابة الهيئة ومنمقة الشكل وذات أوراق فخمة الصنع و إضافة لذلك فهي زهيدة الثمن بل في أوقات كثيرة كانت تُوزع بشكل مجاني.
فانتشرت تلك النسخة بين أيادي المسلمين بشكل سريع وعلى الرغم من فخامة النسخة وأناقتها المتناهية إلا إنها كانت تحمل تحريفات لعينة و مقصودة فعلي سبيل المثال:-
في سورة آل عمران آية رقم (85) “وَ مَن يَتَْبَغ غَيْرَ الإسْلاَم دِيناً فَلَن يُقْبلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرينَ” فطُبعت تلك الآية مع حذف كلمة “غير” فبالطبع تغير المعنى.
أدركت وزارة الأوقاف والشؤون الاجتماعية التي كانت ممثلة في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية والأزهر الشريف الممثل في هيئة كبار العلماء هذا المخطط البغيض الذي يمس المصحف الشريف و آياته الكريمة، وبناء عليه تقرر عمل أول جمع صوتي للمصحف الشريف مرتل بصوت الشيخ محمود خليل الحصري برواية حفص عن عاصم ونسخه على أسطوانات ليصبح هذا الجمع هو الثاني بعد الجمع الورقي الذي تم في عهد خليفة رسول اللّه “أبي بكر الصديق”.
هذا الجمع الصوتي العظيم لم يكن فعال بالشكل المطلوب ولم يُحقق كل الأهداف المرجوة، وهذا لضعف الإمكانيات المادية لدي عامة الشعب و لعدم توافر الطاقة الكهربائية في هذة الفترة بشكل كبير داخل البيوت المصرية.
فقررت وزارة الثقافة والإرشاد القومي التي كان يرأسها الدكتور عبد القادر حاتم إنشاء إذاعة القرآن الكريم وتخصيص موجة قصيرة وآخرى متوسطة لإذاعة المصحف المرتل وبالفعل تم تفعيل قرار الإنشاء على يد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
فكانت إذاعة القرآن الكريم خير وسيلة لنشر آيات القرآن الكريم صحيحة كما أُنزلت على سيد الخلق والمرسلين.
تعد إذاعة القرآن الكريم منجم لأعظم وأهم أصوات المشايخ والمقرئين ومن أشهرهم “الشيخ محمد رفعت، الشيخ محمد محمود الطبلاوي، الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، الشيخ محمود خليل الحصري والشيخ مصطفى إسماعيل” وغيرهم من الشيوخ الذين قد حبا اللَّه أصواتهم بالدفء والسكون .
ولم تكتف إذاعة القرآن الكريم بنشر آيات المصحف الشريف بشكل سليم؛ بل تطرقت أيضاً لعمل برامج تهدف إلى نشر التعاليم الإسلامية بصورتها الحقيقية المتزنة وتربية الأجيال علي أخلاق النبي الصادق الأمين.
ومن أشهر هذه البرامح برنامج موسوعة الفقه الإسلامي الذي قدمته دكتورة هاجر سعد الدين، وتعد دكتورة هاجر سعد الدين اول إمرأة تعمل داخل إذاعة القرآن الكريم وأول إمرأة تتولى رئاسة إذاعة القرآن الكريم واستطاعت أن تثبت كفاءتها وقدرتها المهنية طوال فترة عملها، كما استطاعت أن تأسر قلوب كل من استمع إليها فهي صاحبة صوت عذب رنان لا نظير له.
كما تذاع الكثير من البرامج الأخرى التي تترك أثراً من نور في نفوس المستمعين ومن ضمنها “دقيقة فقهية، خواطر الأمام، قطوف من حدائق الإيمان، بريد الإسلام، من دوحة الدعاء”.
“إذاعة القرآن الكريم من القاهرة” جملة تحمل في طياتها مفاتيح السعادة والراحة التي طالما تبحث عنها، فلن تُصيبك الحيرة في أمور دينك ودنياك ما دُمت تلجأ إليها.
كتبت: إسراء علي