في الاثنين 23 يناير 1965، وبالتزامن مع الاحتفال بـ ألف عام على تأسيس مدينة القاهرة، انطلقت أولى دورات معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي أصبح عبر عقود علامة بارزة في المشهد الثقافي العربي، ومكانًا أساسيًا لتواصل المثقفين والكتاب والناشرين والجمهور.

استمرت الدورة الأولى ثمانية أيام وشارك فيها 46 ناشرًا من 32 دولة من أوروبا وأمريكا وآسيا والدول العربية، في بداية رحلتها التي امتدت لأكثر من نصف قرن، ومع مرور الوقت زادت المشاركات المحلية والدولية، لكن المشهد تغير بشكل جذري بفعل تحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية.

تحولات تاريخ معرض القاهرة الدولي للكتاب من الفكر إلى السوق

كان المعرض في بداياته مساحة لالتقاء الكتاب بالقراء، والتبادل المعرفي بين المثقفين العرب والعالميين، وفيه توقع النقاد ظهور تيارات أدبية جديدة واحتضان الإصدارات التجريبية.

لكن المتابع الجيد لمسار تاريخ معرض القاهرة الدولي للكتاب يلحظ أن المتغيرات الدولية، وانتشار الإنترنت، وارتفاع تكلفة النشر والطباعة، أدت إلى بروز تحديات مستجدة شكلت انعطافًا في هوية المعرض:

أزمة أسعار الكتب في معرض القاهرة الدولي للكتاب:

ارتفعت تكلفة الطباعة في مصر بنحو 300–400% مؤخرًا بسبب زيادة أسعار الورق والطاقة، وهذا جعل كثيرًا من دور النشر الصغيرة والمتوسطة تخرج من المعرض لأنها لم تعد قادرة على تغطية تكاليف المشاركة.

أزمة أسعار الكتب في معرض القاهرة الدولي للكتاب

   (مصادر: تقارير اتحاد الناشرين المصريين – بيانات الغرفة التجارية)

تطور أنواع الكتب في تاريخ معرض القاهرة الدولي للكتاب:

رغم تنوع الأجناس الأدبية، برزت الرواية بشكل لافت مقارنة بالشعر والمسرح، ويرجع ذلك جزئيًا إلى الإقبال الجماهيري، مما دفع الناشرين للتركيز عليها لأسباب تجارية بحتة.

أثر السوشيال ميديا على معرض القاهرة الدولي للكتاب:

تحولت بعض منصات التواصل إلى مراكز صناعة “التريند الأدبي”، حيث يكتسب بعض المؤلفين شهرة واسعة ليس عبر جودة أعمالهم، بل عبر أساليب تسويق قوية ومستوى متابعة عالي على الإنترنت، في كثير من الأحيان، يتفوق عدد متابعيهم على عدد قراء كتبهم الفعليين، مما يثير الجدل حول قيمة ما يُنتج فعليًا.

وتصبح إصدارات كتاب التريند محط جذب جماهيري أكثر من محتواها الثقافي، في بعض الأحيان يرتدي بعض الشباب زيًّا خاصًا (شبيه بملابس البودي جارد) تضم اسم الكتاب أو شعار الكاتب أثناء حفلات التوقيع، كجزء من المشهد الجماهيري حول الكاتب ولو أن ذلك لا يعكس بالضرورة قيمة أدبية عالية، فهذه الظاهرة تقدم تجربة شبه حفلة ترفيهية أكثر من فعالية ثقافية تقليدية، هذه الظاهرة الراقصة حول التوقيعات تحكي عن التغيرات في المجتمع الثقافي وكيف صار حضور الشخصيات الإعلامية جزءًا من التسويق للكتاب.

أثر السوشيال ميديا على معرض القاهرة الدولي للكتاب

ظاهرة الوجبات السريعة في معرض القاهرة للكتاب:

في السنوات الأخيرة، أصبحت قاعات المعرض لا يقتصر زخمها على الكتب وحده، بل على ما يمكن تسميته “ثقافة الاستهلاك السريع”: انتشار أكشاك للأكلات السريعة، وازدحام الشباب حول هذه الأكشاك أكثر من قاعات الكتب، وتحول زيارات بعض الزوار إلى رحلات للتنزّه أكثر من البحث والقراءة.

ذكريات شخصية ومحاولة الحفاظ على الهوية

كرّس حضوري المتكرّرة للمعرض لمدة 35 عامًا منذ أن كنت في العاشرة من عمري لي علاقة شخصية وثقافية عميقة معه، وطول تلك السنوات، تابعت فعاليات ثرية جمعت بين الإبداع الفكري وأنشطة ثقافية متعددة، لكنها أيضًا لم تسلم من التحولات التي فرضتها السوق والاقتصاد الرقمي.

تظهر اليوم تحديات حقيقية أمام الكتاب الجدد وصغار الناشرين، مثل ارتفاع رسوم المشاركة، وصعوبة نشر الإصدارات الأكثر إبداعًا نظرًا لسيطرة تيارات تجارية، وضعف التمثيل الفعلي للإنتاج الشعري والمسرحي.

الجذور القديمة ونشأة تاريخ معرض القاهرة الدولي للكتاب

من المهم أن نذكر أن تاريخ معارض الكتب في مصر أقدم من عام 1965، في أبريل 1946 شهدت القاهرة افتتاح معرض الكتاب العربي بحضور وزير المعارف العمومية ونخبة من المثقفين، ضم المعرض آنذاك قسمًا للكتب العربية وقسمًا للكتب العربية المطبوعة في أوروبا وأمريكا، وكان يُعرف بـ «أسبوع الكتاب»، وهو الأب الروحي لمعرض الكتاب بمفهومه الحالي.

كما نظم في أكتوبر 1963 أسبوع الكتاب العربي الأول تحت أسماء مثل “مهرجان الكلمة العربية” و”عيد الثقافة”، واندفع الصحفيون آنذاك لنشر دراسات إحصائية عن أنواع الكتب المعروضة، وتناولوا قوائم الكتب الأكثر اهتمامًا من الجمهور، مثل أعمال نجيب محفوظ ومحمد عبد الحليم عبد الله، وتراوح سعر الكتاب في تلك الأيام بين 15 و50 قرشًا، كما ورد في ملحق الأهرام بمناسبة افتتاح معرض 1969، وهي أسعار احتلت صفحات كاملة من الصحيفة.

الجذور القديمة ونشأة تاريخ معرض القاهرة الدولي للكتاب

بين الماضي والمستقبل: هل يتراجع الإبداع؟

رغم تحديات المشهد، يستمر معرض الكتاب كنهر ثقافي يروي مسيرة الفكر والإبداع، في معركة دائمة بين جذوة المعرفة وقوة الاستهلاك السريع، الحقيقة أن المعرض ليس فقط مكانًا للبيع والشراء، بل ساحة لتجربة ثقافية تحافظ على وعي الأمة، وتؤكد أن الكتاب لا يزال حاضرًا رغم كل ما يحيط به.

ختامًا، إن الحفاظ على الريادة المعرفية في تاريخ معرض القاهرة الدولي للكتاب يتطلب رؤية تجمع بين مواكبة العصر وحماية التراث الأدبي، ليبقى هذا الحدث أكبر من مجرد “سوق للكتب”، بل منارة تشع فكرًا وثقافة لكل العرب.

كتب: محمد بلال.

الأسئلة الشائعة حول تاريخ معرض القاهرة الدولي للكتاب

 ما هو أول عام في تاريخ معرض القاهرة الدولي للكتاب؟

بدأت أول دورة رسمية للمعرض في 23 يناير 1965.

كيف أثرت التكاليف على تاريخ معرض القاهرة الدولي للكتاب؟

أدى ارتفاع أسعار الورق بنسبة 400% إلى غياب بعض دور النشر وارتفاع أسعار الكتب المعروضة.

ما الفرق بين “أسبوع الكتاب” والمعرض الحالي؟

أسبوع الكتاب (1946) كان البداية الأولى التي تطورت لتصبح المعرض الدولي الضخم الذي نعرفه اليوم.