التجارة شطارة

أكبر خدعة مالية في التاريخ

منذ فجر التاريخ اكتشف الإنسان أنه لا حياة بدون أخيه الإنسان وعليه أن يتبادل معه الحديث والأفكار والخبرات وأيضاً المنتجات، وظهر للوجود نظام المقايضة فأنا أزرع قمح وأريد أن أشترى لحم فأذهب لأشترى خروف مثلاً وأعطى مالكه بضع مكاييل من القمح نتفاوض على مقدارها أنا والبائع، وعلى هذا المنوال تسير كل عمليات البيع والشراء حتى فى البيئة الصحراوية كانت الأموال عبارة عن خراف وجمال ومن يريد أن يشترى أي شيء ملابس حرير عبيد يدفع ثمنها من الخراف أو الإبل والأغنام حتى الزواج فالمهر يدفع بنفس الطريقة مع اختلاف المقدار على حسب نسب وجمال العروس.

لكن نظام المقايضة فشل فى تلبية حاجة الناس فى التجارة وتطوير المجتمعات الإنسانية لأنه لا يصلح إلا في حياة القرى أما المدن حيث البيوت والتجار والسلطة والثروة فتحتاج إلى نظام آخر أكثر رقي واتزان يقبل به كل تجار ودول العالم على اختلافها الثقافي والديني والاجتماعي ووجد الإنسان الوسيط ضالته فى معدنان الذهب والفضة ومن بعد النحاس .

استقرت دول العالم على التبادل والتجارة فيما بينها بمعيار الذهب والفضة وسكت النقود بوزن معروف غير قابل لتطفيف أي للغش وإلا فقدت الدولة التي تغش وتخدع مصداقيتها ويمتنع تجار العالم من التعامل بعملتها المزيفة فتتهاوى تلك الدولة ويسقط اقتصادها وتسقط الدولة السياسية والعسكرية تبع لذلك وقد حدث هذا الأمر عدة مرات طيلة التاريخ الإنساني، وظلت الدول الكبرى تسك عملتها الذهبية والفضية وعليها شعار تلك الدولة من قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام حتى نهاية القرن الثامن عشر والذهب والفضة هما عملة العالم .

عملات مصرية , خدعة مالية
عملات مصرية قديمة

-البنوك الخدعة الصغرى:-

ومع ظهور عائلة روتشيلد وظهور البنوك الخاصة واقراضها للدول الكبرى خاصة فرنسا وانجلترا مما جعل قادة تلك الدول تترك الأمور المالية والاقتصادية فى يد تلك البنوك وبما أن هاتان الدولتان يتحكمون فى باقي دول العالم خاصة بعد اتحادهم ضد الصين أكبر معاقل النقود الفضية فى العالم وانتصارهم عليها واحتلالهم “فرنسا وانجلترا” العاصمة بكين فيما يعرف بحرب الأفيون عام ١٨٦٨ .

هنا ابتكرت البنوك العالمية فكرة النقود الورقية لتحل محل النقود الذهبية والفضية وهذا بالطبع لفائدة تلك البنوك التى ستطبع أي مبلغ بدون رقيب ولا حسيب من الدولة كما أن هذه البنوك ستكون متحكمة فى الاقتصاد وبالتبعية السياسة وأي سياسي يفكر فى الحد من سلطات تلك البنوك فمصيره الموت السياسي أو الموت الحقيقي وفى التاريخ الأمريكى خاصة عدة أمثلة على قادة ورؤساء أمريكان حاولوا الحد من نفوذ البنوك الأمريكية الكبرى فكان مصيرهم الموت السياسي أو الموت الحقيقي.

وبالطبع كتبت تلك البنوك عند إصدار النقود الورقية أن هذه الورقة مجرد سند أو كمبيالة وأن قيمتها الذهبية فى البنك فى الحفظ والصون، وفى مصر مثلاً قام اتحاد من المستثمريين الأجانب بإنشاء البنك الاهلي المصري واستطاع أخذ الحق الحصري لطبع النقود الورقية المصرية بدون إشراف من الحكومة المصرية عام ١٨٨٩ بعد الاحتلال البريطاني لمصر.

وأصبح قيمه عملة كل دولة يتحدد بما لديها من ذهب ولأن مصر كان لديها أكبر إحتياطي من الذهب بعد انجلترا فكان الجنيه المصري يماثل الجنيه الإسترليني في القيمة وخمس أضعاف الدولار الأمريكي فقد كان الدولار بعشرين قرش مصري حتى أربعينات وبداية الخمسينات من القرن الماضي .

عملات ورقية مصرية , خدعة مالية
عملات مصرية قديمة

-الولايات المتحدة الأمريكية والحرب العالمية:-

خرجت الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب العالمية الثانية منتصرة انتصار ساحق ليس فقط على أعداءها بل على أصدقاءها أيضاً وأعلنت أنها قائدة العالم عسكرياً وسياسياً واقتصادياً بلا شريك، وشرعت فى إنشاء وسائل التحكم فى العالم “الأمم المتحدة، البنك الدولي، صندوق النقد الدولي”، كما جعلت من عملتها الدولار عملة دولية لجميع دول العالم فلا شراء ولا بيع إلا بالدولار الأمريكي، وفرضت على جميع الدول نقل جزء من احتياطها من الذهب إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأيضاً اتخاذ الدولار احتياطي دولي مثل الذهب لأن الدولار الأمريكي كان مقوم بالذهب وكل دولار له ما يماثله من ذهب لدى بنك الاحتياط الأمريكى الفيدرالى، وأذعنت جميع دول العالم فإنه عصر أمريكا عصر الازدهار والرفاهية وظهر مصطلح الحلم الأمريكي، وأمريكا أرض الأحلام.

 

-الخدعة الكبرى:-

لكن فى سبعينات القرن الماضي وهذا جاء فى كتاب المال إتقان اللعبة للكاتب الأمريكى الكبير أنتوني روبنز، دخلت الولايات المتحدة الأمريكية حرب فيتنام وخسرت الكثير من سمعتها العسكرية وأيضاً الكثير من الأرواح والأموال وبدأت أزمة اقتصادية وإرتفع التضخم إلى ٢٥ ٪ ووصلت أسعار الفائدة فى البنوك الأمريكية إلى ١٨٪ ، وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية فى أمس الحاجة للدولارات وخاصة بعد حرب السادس من أكتوبر وهزيمة إسرائيل وحليفتها أمريكا وارتفاع سعر البترول من ٢,١ إلى ١٠,٤ ليضيف عبئ آخر على المواطن والاقتصاد الأمريكي الذي يعانى أصلاً جراء حرب فيتنام وقيادة الولايات المتحدة الأمريكية سياسياً لدول العالم والحرب الباردة .

وكان الحل المعقول والاقتصادي أن تتخلى أمريكا عن قيادة العالم وتشارك دول العالم أعباء وتكاليف تلك القيادة وتحافظ على عملتها من الإنهيار لكن ما حدث كان غير هذا تماما وهذا رائ، نعود للكاتب أنتوني روبنز خطاب نيكسون “في أحد ليالي صيف أغسطس عام ١٩٧١ أوقفت شبكات التليفزيون الثلاثة الرئيسية بثها فجأة وانتقلت إلى بث من البيت الأبيض حيث يجلس الرئيس نيكسون ويصرح أمام شاشات التلفزيون بأسلوب حاد ومضطرب لقد أصدرت أوامري للسكرتير العام جون كونالى بوقف تحويل الدولار إلى ما يقابله من ذهب انتهى البث” بجملة واحدة تغير العالم .

ولتتخيل فداحة الأمر تخيل أنك كنت تحتفظ بكل أموال وذهب ومجوهرات كل عائلتك فى صندوق وفتحت الصدوق فجأة فتجد فيه ورق أبيض بلا قيمة “تركه من خدعك وسرقك مع علامة على الورق لتتعرف الفاعل” لقد أخذت الولايات المتحدة الأمريكية ذهب مواطنيها وذهب حكومات العالم وإعطائهم ورق بلا غطاء ذهبى وأصبح قيمة الدولار مستمدة من وضع الولايات المتحدة الأمريكية كقوى سياسية فقط، وأصبحت دول العالم فى وضع لا تحسد عليه فإن إنهارت الولايات المتحدة الأمريكية اقتصادياً ستنهار هي الأخرى لوجود جميع أموالها بالدولار وقيمة عملتها تحددها ماتملكه من دولار فبسقوط الدولار تسقط عملتها وبالتالى الدولة نفسها .

لم تجد دول العالم إلا التعامل مع الأمر الواقع وكأن شيء لم يحدث وهكذا خرجت الولايات المتحدة الأمريكية من هذا المازق بلا خسائر مادية تذكر “وقيل فى الأمثال حاميها حراميها فلمن نلجأ”.

 

 

كتب:- أحمد عبد الواحد إبراهيم

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *