منوعات

صك الغفران

       ما إن استسلم جسدها إلى كرسي صالون زينة النساء كعادتها عندما يصادق قيظ الشمس عاصمة المحروسة في ثاني شهور الصيف حين اقترب موعد عودة زوجها إلى عشه بعد عام من الغربة حتى أشارت إلى العاملة بأنها على عجلة من أمرها ، لم يكن بالأمر شيء من الغرابة فقد كانت صابرين زبونة سنوية لا يلامس جسدها هذا الكرسي سوى في تلك المناسبة ، مضت سنوات عشر وهي كما هي ، ملابس بسيطة لا تنم عن طفرة مادية ولا تشف عن مستوى اجتماعي ، أما الساعة التي كانت تقضيها بين يدي مصففة الشعر فكان الصمت ديدنها مهما حاولت المصففة أن تسبر أغوار ذاك البئر الذي لا يٌدرك له قغر .

-أبوكم على وشك الوصول هكذا أخبرني في مكالمته بالأمس؛ ألقت عبارتها على مسامع أبنائها؛ فأما الصغرى فكادت رأسها تعانق سقف الغرفة فرحا، وأما الكبرى فارتسمت على شفتيها ضحكة باكية رسمها الحنين، وأما الصبي فتساءل في لهفة عن الألعاب الإلكترونية التي أوصى أباه بإحضارها إسوة بأقرانه.

     ظلت تتردد على غرف الدار تتفقدها بعناية، لم تكن تترك شيئا للظروف ، البيت نظيف ومعطر، الأبناء في حلل زاهية ، الثلاجة حشدت بصنوف لا حصر لها من الطعام الشهي علها تعوضه عن أيام الغربة الانفرادية، كم ألح عليها أن تصحبه في غربته ولكن حسها الاقتصادي كان يجيبه بمزيد من الصبر، الأولاد صغار، والاحتياجات جمّة، والاستمرار في وظيفته بالخارج غير مضمون، فقد عاد زوج جارتها صفر اليدين بعد خمس سنوات ، لم يجددوا عقده ، استغنوا عن عدد غير قليل من العاملين ، حتى دول الخليج تأثرت بشدة من الأزمة الاقتصادية العالمية .

 – كم اشتاق إليك يا أبي شوق الأصلع لفرشاة شعره.

انسابت الكلمات من شفتي الصغرى التي كانت عشقه ومعشوقه، فمازالت ثياب أبيها بين أحضانها تبيت وفي وجدانها تستقر.

      اليوم عيد فطري ويوم نحري ولحظات سعدي .. انطلقت الصغيرة إلى حافلة المدرسة بخطوات متثاقلة بعد مشاكسة مع أمها فهي ترى أن يوم عودة أبيها يجب أن يكون ضمن العطلات الرسمية ولكن هيهات هيهات فدستور الأم ليس من بنوده تعطيل الدراسة لتستقر البنت في حضن أبيها.

لقد انتهيت من صباغة شعرك، وفرده .. هل لديك طلبات أٌخر؟ –

   نقدتها خمس ورقات فئة الخمسين وهي تتمتم مرة في العام لا بأس، ثم سحبت أقدامها لتراجع عمل مصففه الشعر أمام المرآة التي تتصدر مدخل المحل مرددة ليس في الإمكان أفضل مما كان.

    عرجت في طريقها للبيت على بائع الدجاج والجزار والفكهاني واختتمت جولتها ببائع اللبن وقد أوصت كل بائع أن يحمل صبيه بضاعتها إلى بيتها على عجالة قبل وصول صابر بوقت كاف حتى يتسنى لها أن تجهز له ما لذ وطاب، تأبطت بعضا من ذكريات خطوبتها بعد سنوات من النظرات المتبادلة أثناء دراستهما الجامعية، لم يلق قبولا في أول الأمر لدى عائلتها التي كانت تراه أقل ماديا ولكن النظرات وتطلعات المستقبل حسب آراء صديقاتها بأنه مازال في مقتبل عمره وفرصة سفره إلى الخليج قوية، سوف يتحسن وضعه لامحالة وسيندم الأهل على موقفهم دون ريب ، ها هي الأيام تثبت صدق توقعها، ففي عشرة أعوام تحولت الشقة الصغيرة إلى بيت كبير، وامتلكت سيارة وحساب في البنك وعضوية النادي وشاليه في الساحل بينما ظلت هي كما هي، إنه يشكو الوحدة في غربته؛ لابأس كل مر سيمر، مزيدا من الصبر كثيرا من الراحة ، لا تنس؛ طلبات الأبناء كثيرة، هل ترغب في تكرار معاناتنا حين تزوجنا عن ضيق ذات اليد؟ لن تتاح لنا الفرصة سوى مرة واحدة، عهدتك رجلا جلدا تتحمل الكثير … لم تكن المكالمة الهاتفية بينهما تختتم إلا بما سبق.

       كانت لا تبوح يشيء خشية الحسد، دارِ على شمعتك.. كن كتوما .. العيون تلاحقنا .. دستور حياتها الذي لا تنفك تردده على مسامع الأبناء ولا يهدأ لها بال إلا حين ينتهي الأبناء من ترديد ذاك الدستور على آذانها بين الفينة والأخرى، نستطيع بعد السنوات العشر القادمة أن نشعر بالراحة والاكتفاء الذاتي بعدها لا مانع لدي من مرافقته في غربته ولكن وقتها من سيرعى مصالحنا، لا لا أقارب من؟ الأقارب عقارب كانت العبارة الأخيرة مما ورثته من دستور أمها حين كانت تلقنها بنود دستورها في الصغر.

    ركزت حدقتها في دائرة ساعة الحائط، كان لحظها يتابع عقاربها بحركة دائرية منتظمة، مضغت قليلا من الملل بانتظار جرس الباب، تباطأ الوقت وكأنه يعاندها، لا ضير ساعات قليلة وتصل طائرته، ألقت نظرة على أولادها .. مازالت الصغرى متكومة عند باب الغرفة محتضنة ثوب أبيها، الكبرى غلبها النعاس، الصبي مرابط على ألعابه رغم انتصاف الليل، أوشك بياض الصبح أن يفترس ظلمة الليل، تسرب القلق إلى أوصالها، تقافزت ضربات قلبها حين تذكرت أن موعد وصوله للبيت مضى عليه ست ساعات دون جدوى، ماذا حدث، هل تأجل سفره أم ألغيت الرحلة؟! ، ازداد قلقها حين تذكرت أن كل ما ادخر من أوراق خضراء طيلة عامه هذا فضَل أن يحضره نقدا بناء على نصيحتها حتى يستكمل ثمن شراء شقة صبيهم الذي ينتظر زواجه بعد عقدين من الزمان أو أكثر، تناولت هاتفها المحمول ببطء ، هذا رقم هاتفه، طاوعت نفسها ، اتصلت عليه ، الحمد لله إنه يرن ، بعد ثوان من الانتظار المميت، سمعت صوتا يجيب .. لكنه ليس صوت صابر، إنه صوت نسائي .. نعم .. صابر .. إنه في الحمام .. من أكون .. زوجته .. نعم تزوجنا منذ ساعات، لا تقلقي لقد أرسل لكم الأموال التي ادخرها كاملة .. لست بحاجة إلى صكوك غفران كل ما احتاجه رجلا يفتقد امرأة.

    استفاقت من كابوس غفوتها على دغدغة أنامل صغيرتها .. بابا وصل بابا وصل .. فركت عينيها

استعادت بسمتها .. عزمت على حزم حقائبها حين تحين عودته .. رددت بثبات .. حان الوقت لأتخلى عن بعض صكوك الغفران.

 

بقلم: هشام أحمد

زر الذهاب إلى الأعلى