الزمن يطحن أعمار الإنسان في عجلة الحياة المستمرة

الزمن لا يتوقف.. حين تطحن تروس الحياة أعمارنا

عندما تتحول حياتك كلها لمجرد حبة قمح في طاحونة الزمن؛ تدور، وتقاوم، وتظن أنك تختار طريقك، بينما العجلة لا تعبأ بك، ولا تعرف حتى أنك كنت هنا، تطحن جيلًا، ثم تستقبل جيلًا آخر، بلا ذاكرة ولا ندم، وحده الإنسان يظن أن حكايته استثناء، حتى يكتشف، متأخرًا، أن الطاحونة التي أفنت عمره لا تزال تدور، وأن مكانه لن يبقى فارغًا طويلًا.

كل شيء يأخذ زمنه، ثم يتوقف، بينما تستمر الحياة في الدوران، طاحونة تطحن القمح، وأخرى تطحن البشر؛ تتغير الحجارة، وتتبدل الوجوه، وتبقى العجلة كما هي.

نحن لا نغادر المشهد إلا ليأتي غيرنا ويشغل المكان نفسه، كأن الحياة لا تحفظ أسماء العابرين، بل تكتفي باستمرار دورانها.

في مشهد من فيلم آثار في الرمال (1954)، يختصر صاحب طاحونة عتيقة فلسفة الوجود في تشبيه بسيط، مروحة تديرها الريح، وأخرى يديرها الزمن؛ كلتاهما تدور، وكلتاهما تطحن، لكن إحداهما تنتج الدقيق، والأخرى تستهلك أعمارنا.

المأساة ليست أن العجلة تدور، بل أننا نظن أنفسنا استثناءً من دورانها، نركض وراء المال والمكانة والانتصارات الصغيرة، ونستهلك أعمارنا في معارك لا يتذكرها أحد، ثم نكتشف متأخرين أن الحياة لم تكن تنتظر وصولنا إلى خط النهاية؛ كانت تدور فحسب.

ولعل دون كيشوت، في رواية ميجيل دي ثيربانتس، لم يكن بعيدًا عن هذه الحكاية؛ حين اندفع لمحاربة طواحين الهواء، متخيلًا أنها عمالقة تهدد العالم، بينما كانت تدور في مكانها، لا تعرف شيئًا عن معركته، ولا تكترث بشجاعته أو أوهامه.

يمكننا أن نقرأ تلك المواجهة بوصفها استعارة لمحاولة الإنسان محاربة الزمن وحركة الحياة؛ أن يرفع سيفه في وجه ما لا يتوقف، وأن يبدد عمره في معركة يتخيل أنه قادر على حسمها، بينما لا يفعل سوى استنزاف نفسه.

لم تكن الطواحين بحاجة إلى الانتصار عليه؛ كانت حركتها وحدها كافية لتكشف عبث معركته.

ربما انتهى دون كيشوت مهزومًا أمام طواحين لم تكن أعداءه أصلًا، خاسرًا شيئًا من عمره وأحلامه في مطاردة معركة لم تكن موجودة إلا في رأسه، فيما ظل العالم يمضي، وظلت الطواحين تدور، غير عابئة بفارس ظن أنه جاء ليغير مسار الحكاية.

الأكثر قسوة أن الطاحونة لا تعرف من طحنته، لا تكره أحدًا، ولا تقصد إيذاء أحد، ولا تتوقف حزنًا على غائب، وكذلك الزمن؛ لا ينتقم منا، لكنه لا يجاملنا أيضًا، يمر على الجميع بالعدل نفسه، وإن اختلفت حصصهم من الألم والفرح، ويترك لكل شيء نهايته، ثم يمضي.

قد تنتهي طاحونة العمر من طحن حكايتنا، لكن العجلة لن تتوقف؛ ستأتي وجوه أخرى، وتدور الأيام بالدورة نفسها، كأن شيئًا لم يكن، سنرحل كما جئنا، وتبقى الحياة منشغلة بدورانها الأبدي، لا تلتفت إلى من أفنتهم في الطريق.

فربما ليست مأساة الإنسان أنه فانٍ، بل أنه يقضي عمره كله في الدوران، ثم يكتشف أن العجلة لم تكن تدور من أجله، بل تمضي فوقه تطحنه، وأن الحياة التي ظن أنه بطل حكايتها، كانت تمضي قبل أن يأتي، وستواصل المضي بعد أن يرحل.

كتب: محمد بلال.

إذا لامست هذه الخاطرة وجدانك، فندعوك إلى اكتشاف المزيد من الخواطر والإبداعات الأدبية في قسم إبداعات قلم على آدم آرتس، حيث تنبض الكلمات بالمشاعر، وتحمل الحروف حكايات تستحق أن تُقرأ.

تعليقات

لا تعليقات حتى الآن. لماذا لا تبدأ النقاش؟

اترك تعليقاً