تعد بردية وستكار من النصوص الأدبية المهمة في مصر القديمة، إذ تجمع مجموعة من الحكايات التي تدور في بلاط الملك خوفو، وتتناول قصصًا عن السحر والمعجزات والحكم والتنبؤ بالمستقبل، وتتميز البردية بأنها لا تقدم سجلًا تاريخيًا مباشرًا فحسب، بل تكشف أيضًا جانبًا من خيال المصريين القدماء وطريقة سردهم للحكايات.
وتُعرف هذه المجموعة كذلك باسم «خوفو والسحرة» أو «حكايات العجائب في بلاط الملك خوفو»، وعلى الرغم من أن أحداثها ترتبط بملوك من عصر الدولة القديمة، فإن النسخة الباقية من النص كُتبت بعد تلك الفترة بقرون طويلة.
ولفهم السياق التاريخي الذي ظهرت فيه هذه الحكايات، يمكن التعرف على تاريخ الحضارة المصرية القديمة وأهم إنجازاتها، وما شهدته من تطور في الأدب والفنون والكتابة.
ما هي بردية وستكار؟
بردية وستكار هي مخطوطة أدبية مصرية قديمة مكتوبة بالخط الهيراطيقي، وهو أحد أشكال الكتابة المصرية القديمة، وتضم مجموعة من الحكايات التي تُروى للملك خوفو على لسان أبنائه، بهدف تسليته وإبعاده عن الملل.
وتدور موضوعات الحكايات حول قدرات الكهنة المرتلين والسحرة، وما ينسب إليهم من أعمال خارقة، إلى جانب إشارات إلى مستقبل الحكم في مصر، وتحمل البردية اسم وستكار نسبةً إلى هنري وستكار، الذي ارتبط اسمه بتاريخ انتقال المخطوطة إلى الباحثين الأوروبيين، وتُحفظ البردية حاليًا ضمن مقتنيات المتحف المصري ومجموعة البرديات في برلين، وتحمل رقم التسجيل P 3033.

متى كُتبت بردية وستكار؟
تحتاج الإجابة عن هذا السؤال إلى التمييز بين زمن كتابة المخطوطة وزمن الأحداث التي ترويها، حيث يرجع تأريخ النسخة الباقية من بردية وستكار إلى فترة الانتقال الثاني في مصر، وهي الفترة التي تشمل عصر الهكسوس، ويؤرخها بعض الباحثين إلى الأسرة السابعة عشرة، بينما تشير دراسات أخرى إلى احتمال أن تكون صياغة الحكايات قد نشأت في فترة أقدم، خلال الدولة الوسطى.
أما أحداث الحكايات فتدور في عصر الدولة القديمة، وبالأخص في بلاط الملك خوفو، الذي حكم خلال الأسرة الرابعة، وهذا يعني أن البردية ليست وثيقة كُتبت في عهد خوفو نفسه، بل نص أدبي لاحق يصور شخصيات وأحداثًا من عصر أقدم، لذلك ينبغي التعامل مع حكاياتها بوصفها مصدرًا مهمًا لدراسة الأدب والمعتقدات والتصورات المصرية القديمة، لا باعتبار أن كل ما ورد فيها وقائع تاريخية مؤكدة.
وللتعرف على موقع خوفو وغيره من ملوك مصر القديمة ضمن التسلسل التاريخي للحكم في مصر، يمكنك قراءة مقال حكام مصر عبر العصور.
قصة خوفو والسحرة في بردية وستكار
تقوم الحكايات على إطار سردي يجمعها؛ إذ يجلس الملك خوفو في بلاطه، ويستمع إلى قصص يرويها أبناؤه عن السحر والعجائب التي حدثت في عصور سابقة.
وتتدرج الحكايات من روايات عن قدرات الكهنة والسحرة إلى قصة تحمل دلالات سياسية ودينية تتعلق بمستقبل الملكية المصرية.

قصة الساحر جاجا إم عنخ والملك سنفرو
تدور إحدى أشهر الحكايات حول الملك سنفرو، والد خوفو، الذي شعر بالضيق والملل، فطلب من الكاهن المرتل جاجا إم عنخ أن يساعده على تغيير حالته النفسية.
اقترح الكاهن أن يقوم الملك برحلة في بحيرة على متن مركب تجدف به مجموعة من الفتيات، وخلال الرحلة، فقدت إحدى المجدفات حُلية ثمينة كانت ترتديها، فحزنت بشدة، ولم تعد ترغب في مواصلة التجديف.
عندها طلب الملك من الكاهن استعادة الحُلية، فاستعمل قدراته السحرية، ورفع أحد جانبي مياه البحيرة فوق الآخر حتى ظهرت الحُلية في القاع، ثم أعاد المياه إلى وضعها السابق.
وتُظهر هذه الحكاية كيف وظّف الأدب المصري القديم فكرة السحر لإضفاء عنصر العجائب على الأحداث، مع إبراز دور الكاهن المرتل بوصفه صاحب معرفة وقدرات استثنائية.
قصة الساحر جدي والملك خوفو
تُعد قصة الساحر جدي من أبرز الحكايات المرتبطة ببردية وستكار، ففيها يخبر الأمير حرددف والده خوفو عن ساحر مشهور يتمتع بقدرات خارقة، ويقال إنه قادر على إعادة رأس مقطوعة إلى جسدها، كما يمتلك معرفة بأسرار مرتبطة بالمعبود جحوتي.
يهتم خوفو بما يسمعه، ويطلب إحضار الساحر إلى البلاط حتى يشاهد قدراته بنفسه، وعندما يحضر جدي، يُطلب منه إظهار بعض أعماله العجيبة، فيقدم عرضًا لقدراته، لكن الحكاية تبرز أيضًا حدود ما يمكنه فعله، إذ لا يتعامل مع حياة البشر بالطريقة نفسها التي يتعامل بها مع الحيوانات.
وتكشف القصة عن المكانة التي احتلها السحر في الخيال الأدبي المصري القديم، كما تربط المعرفة الدينية بأسرار الحكمة والقدرة على إحداث العجائب.
قصة ميلاد ملوك المستقبل
تنتقل الحكاية الأخيرة الباقية إلى رِدِدجِدت، زوجة كاهن المعبود رع، التي تنتظر ولادة ثلاثة أبناء يرتبط مستقبلهم بالحكم في مصر، وتحضر مجموعة من المعبودات لمساعدتها في الولادة، بعد أن يتنبأ النص بمستقبل أبنائها بوصفهم ملوكًا سيحكمون البلاد.
وتختلف هذه الحكاية عن الحكايات السابقة؛ لأنها لا تركز على استعراض قدرات ساحر واحد فقط، بل تتناول موضوع انتقال الحكم وشرعية الملوك، وتربط مستقبل الأسرة الحاكمة بالإرادة الإلهية، ومن هنا تكتسب خاتمة البردية أهمية خاصة لدى الباحثين، إذ يمكن قراءتها باعتبارها حكاية أدبية تحمل دلالات سياسية ودينية تتجاوز مجرد التسلية.
كيف اكتُشفت بردية وستكار؟
ارتبط تاريخ البردية في العصر الحديث بالرحالة البريطاني هنري وستكار، الذي حملت المخطوطة اسمه، ثم وصلت إلى عالم المصريات الألماني كارل ريتشارد لبسيوس في القرن التاسع عشر.
وفي أواخر القرن التاسع عشر، نشر عالم المصريات أدولف إرمان دراسة وترجمة للنص، مما ساعد على إتاحة الحكايات للباحثين والمهتمين بالأدب المصري القديم.
وتُحفظ البردية اليوم في المتحف المصري ومجموعة البرديات ببرلين، حيث تمثل إحدى القطع المهمة لدراسة اللغة المصرية القديمة وتاريخ الحكاية الأدبية، ومن المهم ملاحظة أن أجزاء من المخطوطة مفقودة؛ فبدايتها ونهايتها غير محفوظتين بالكامل، وهو ما يجعل إعادة بناء النص الأصلي وعدد الحكايات التي احتواها أمرًا غير محسوم تمامًا.
ما أهمية بردية وستكار في دراسة التاريخ المصري القديم؟
تتجاوز أهمية بردية وستكار كونها مجموعة من القصص الخيالية؛ فهي تساعد الباحثين على فهم عدد من جوانب الثقافة المصرية القديمة، ومنها:
- الأدب المصري القديم: تقدم نموذجًا لطريقة بناء الحكايات وربطها بإطار سردي واحد.
- تصورات السحر: توضح كيف صُورت قدرات الكهنة المرتلين والسحرة في الأدب المصري.
- الملكية والشرعية السياسية: تكشف قصة ميلاد الملوك عن ارتباط الحكم بالمعتقدات الدينية في النص.
- الحياة الدينية: تظهر حضور المعبودات والمعتقدات الدينية في تفسير الأحداث والعجائب.
- تطور اللغة والكتابة: تمثل المخطوطة مصدرًا لدراسة النصوص المكتوبة بالخط الهيراطيقي واللغة المصرية القديمة.
ومع ذلك، فإن الاستفادة التاريخية من البردية تتطلب مقارنة ما ترويه بمصادر أخرى، لأن طبيعتها الأدبية تعني أن أحداثها لا تُعامل تلقائيًا باعتبارها سجلًا دقيقًا للوقائع، وتساعد دراسة النصوص الأثرية إلى جانب القطع المكتشفة في المقابر على تكوين صورة أوسع عن تاريخ مصر القديمة، ويمكنك التعرف على مثال آخر من هذا التراث من خلال مقال الملك توت عنخ آمون واكتشاف مقبرته.

ختامًا، تظل بردية وستكار واحدة من النصوص الأدبية اللافتة في مصر القديمة، لما تجمعه من حكايات السحر والعجائب والتنبؤ بمستقبل الحكم، ومن خلال قصص الملك خوفو وسنفرو والساحر جدي، تقدم المخطوطة نافذة على الخيال الأدبي والمعتقدات الدينية والتصورات السياسية التي عرفها المصريون القدماء.
وتكمن قيمتها الحقيقية في أنها لا تروي حكايات للتسلية فحسب، بل تساعدنا أيضًا على فهم كيفية تصوير المجتمع المصري القديم للمعرفة والسلطة والعلاقة بين البشر والمعبودات.
الأسئلة الشائعة حول بردية وستكار
ما اسم بردية وستكار الآخر؟
تُعرف أيضًا باسم «خوفو والسحرة» أو «حكايات العجائب في بلاط الملك خوفو»، وهي أسماء تشير إلى موضوعها الأساسي.
من هو الملك الذي تدور حوله حكايات بردية وستكار؟
الملك خوفو هو الشخصية المحورية في الإطار السردي للحكايات، إذ يستمع إلى القصص التي يرويها أبناؤه في بلاطه.
هل كُتبت بردية وستكار في عهد الملك خوفو؟
لا، فالنسخة الباقية من البردية تعود إلى فترة لاحقة لعصر خوفو بقرون طويلة، بينما تدور أحداث الحكايات في عصر الدولة القديمة.
أين توجد بردية وستكار حاليًا؟
تُحفظ البردية ضمن مقتنيات المتحف المصري ومجموعة البرديات في برلين بألمانيا، وتحمل رقم التسجيل P 3033.
هل تُعد بردية وستكار مصدرًا تاريخيًا موثوقًا؟
تُعد مصدرًا مهمًا لدراسة الأدب والمعتقدات والتصورات السياسية والدينية في مصر القديمة، لكن لا ينبغي التعامل مع جميع حكاياتها باعتبارها أحداثًا تاريخية مؤكدة.

