الجغرافيا وصناعة مصائر البشر

علي الحلواني وعبد الرحمن السيد.. كيف تصنع الجغرافيا مصائر البشر؟

لا تقتصر أهمية الجغرافيا على تحديد الأماكن والحدود بين الدول، بل تمتد لتؤثر في حياة الإنسان وأفكاره وأخلاقه وانتماءاته؛ فالمكان الذي يعيش فيه، والبيئة التي ينشأ داخلها، والتعليم الذي يحصل عليه، والفرص التي تتاح أمامه، قد تعيد تشكيل شخصيته بالكامل، وربما تصنع منه إنسانًا مختلفًا عما كان يمكن أن يصبحه لو ظل في موطنه الأول.

في فيلم «الديلر»، الذي عُرض عام 2010، قدم الفنان خالد النبوي شخصية علي الحلواني، الشاب المصري الذي لم يكن يملك مؤهلات علمية أو فرصًا حقيقية لصناعة مستقبل مختلف داخل مجتمعه، فهاجر إلى أوكرانيا، وهناك بدأت رحلة صعوده في عالم تجارة المخدرات والسلاح.

لكن اللافت في مسيرة علي الحلواني لم يكن مجرد انتقاله من بلد إلى آخر، وإنما قدرته على تغيير صورته الاجتماعية والسياسية دون أن يتغير جوهر نشاطه الإجرامي، فقد تحول من تاجر مخدرات إلى رجل أعمال صاحب نفوذ، وتزوج ابنة أحد الوزراء، ووصل إلى مرحلة الترشح للانتخابات الأوكرانية، بينما ظل نشاطه الحقيقي قائمًا على المصالح والعصابات والتجارة غير المشروعة.

لقد تغيرت الجغرافيا، وتغيرت اللغة والملابس والعلاقات والمكانة الاجتماعية، لكن الإنسان في داخله لم يتغير بالقدر نفسه، وهنا تكمن المفارقة: لم تكن أوكرانيا بالنسبة لعلي الحلواني مجرد بلد جديد، بل كانت مساحة مختلفة أتاحت له تطوير أدواته وتوسيع نفوذه، حتى أصبح قادرًا على ارتداء قناع سياسي واجتماعي يخفي خلفه حقيقته القديمة، لكن ماذا لو انتقل الإنسان إلى بيئة جديدة، ولم يكتف بتغيير مظهره ومكانته، بل أعادت تلك البيئة تشكيل عقله وطموحه ومسار حياته؟

عبدول.. حين تصنع البيئة ما لم تصنعه الجذور وحدها

من الدراما ننتقل إلى الواقع، وتحديدًا إلى التجربة الأمريكية الأخيرة للدكتور عبد الرحمن السيد، المعروف باسم عبدول، الذي حقق فوزًا تاريخيًا في انتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي بولاية ميشيغان في نوفمبر 2026، ليصبح أول مسلم يفوز بعضوية المجلس، عبد الرحمن السيد ابن مهاجر مصري، لكنه مولود ونشأ في الولايات المتحدة، وتلقى تعليمه في مؤسساتها، وحصل على درجات علمية من جامعة ميشيغان وكولومبيا وأكسفورد، قبل أن يخوض مسيرته في العمل العام والسياسة الأمريكية.

هنا نحن أمام نموذج مختلف تمامًا عن علي الحلواني، فالأول انتقل إلى مجتمع جديد، واستطاع استغلال البيئة المحيطة به لتطوير نفوذه، لكنه ظل أسيرًا لمنظومة مصالحه القديمة، أما عبد الرحمن السيد فقد نشأ داخل المجتمع الأمريكي، وتكونت خبراته وطموحاته من خلال مؤسساته التعليمية والمهنية والسياسية، حتى أصبح جزءًا من صناعة القرار في بلده الذي ولد ونشأ فيه.

قد تكون أصوله مصرية، وقد يحمل اسمًا عربيًا، لكن ذلك لا يعني أن مشروعه السياسي هو مشروع مصري أو عربي أو إسلامي، إنه سياسي أمريكي يخوض معركته داخل المجتمع الأمريكي، ويخاطب ناخبيه وفق قضاياهم واحتياجاتهم، ويطرح برنامجًا سياسيًا أمريكيًا يتضمن الرعاية الصحية والعدالة الاجتماعية والبيئة وغيرها من الملفات، ولا يعني ذلك أنه لا يهتم بأصوله أو أنه تخلى عن هويته، وإنما يعني أن الانتماء العرقي والديني لا يحدد وحده طبيعة المشروع السياسي للإنسان.

فهو ليس سفيرًا لمصر في مجلس الشيوخ الأمريكي، ولا ممثلًا للعرب أو المسلمين هناك، وإنما سياسي أمريكي من أصول مصرية، له أفكاره ومواقفه وحساباته السياسية، والأمر نفسه ينطبق على اختياراته المهنية والشخصية؛ فالنجاح في مجتمع جديد لا يقوم بالضرورة على البحث عن أبناء البلد الأصلي، وإنما على اختيار الأكثر كفاءة وقدرة على تحقيق الأهداف، بعيدًا عن الحسابات العرقية وحدها.

الجغرافيا وتأثير البيئة في تشكيل شخصية علي الحلواني

الجغرافيا ليست مجرد أرض.. إنها مصنع للشخصيات

الحقيقة أن الإنسان ليس نتاج جيناته وأصوله العائلية وحدها، وإنما هو أيضًا نتاج البيئة التي يعيش فيها، ونوعية التعليم الذي يحصل عليه، وطبيعة المؤسسات التي يتعامل معها، والفرص التي يجدها أمامه، فالجغرافيا لا تغير عنوان الإنسان فقط، وإنما قد تغير طريقة تفكيره، ومفرداته، وأولوياته، وطموحاته، وحتى نظرته إلى نفسه وإلى العالم، وقد تفتح البيئة أمام شخص أبوابًا لم يكن يتخيل وجودها، بينما تغلقها أمام آخر يمتلك القدرات نفسها أو ربما أكثر منها.

ولعل المثال البسيط الذي يوضح هذه الفكرة هو حبة الخيار؛ فإذا وضعتها في محلول ملحي تحولت إلى مخلل، وإذا وضعتها في خليط من السكر تحولت إلى مربى أو حلوى محفوظة، المادة الأصلية واحدة، لكن الوسط المحيط بها غيّر خصائصها وطعمها والنتيجة النهائية.

وبالمثل، لا يمكننا أن نتوقع أن يظل الإنسان كما هو إذا انتقل من بيئة إلى أخرى تختلف عنها في التعليم والاقتصاد والقوانين والثقافة ونظام الفرص والمكافآت، وهذا لا يعني أن البيئة تملك سلطة مطلقة على الإنسان، أو أن الجميع يتشكلون بالطريقة نفسها؛ فهناك من يحتفظ بقيمه رغم اختلاف المكان، وهناك من يتغير، وهناك من يتكيف مع المجتمع الجديد دون أن يفقد جذوره، لكن المؤكد أن البيئة أحد أقوى العوامل المؤثرة في تشكيل الشخصية والمسار الإنساني.

الجغرافيا وتأثير البيئة في تشكيل شخصية عبد الرحمن السيد

لا تستعيروا أمجاد الآخرين.. اصنعوا مجدكم بأنفسكم

المشكلة ليست في أن يهاجر المصري وينجح في أمريكا، أو أن يصبح ابن المهاجر رئيسًا أو عضوًا في مجلس الشيوخ، فهذه نماذج تستحق الدراسة والاحتفاء بإنجازها الإنساني والعلمي والسياسي، المشكلة في أن نعتبر كل نجاح يحققه شخص من أصولنا انتصارًا لنا، حتى لو لم نكن قد وفرنا له البيئة التي صنعت نجاحه، ولم نشارك في تعليمه أو تأهيله أو فتح الطريق أمامه.

علينا أن نتوقف عن البحث عن مجدنا في نجاحات الآخرين، وأن نسأل أنفسنا سؤالًا أكثر أهمية: لماذا لا نصنع البيئة التي تمنح أبناءنا الفرصة نفسها للنجاح والتميز؟ فربما كان علي الحلواني في مكان آخر سيصبح إنسانًا مختلفًا، وربما كان عبد الرحمن السيد سيصبح شخصًا آخر لو ولد ونشأ في بيئة مختلفة، و اختلفت محطات حياته وتعليمه ونشأته.

تأثير الجغرافيا والبيئة في تشكيل الإنسان

الجغرافيا تغير العقول، والبيئة تعيد تشكيل الطموحات، والتعليم يفتح أبوابًا قد لا يعرف الإنسان بوجودها، والهجرة قد تغير مسار حياة كاملة، فلا تبحثوا عن مجدكم في أصول الناجحين، ولا تتعاملوا مع نجاح أبناء المهاجرين باعتباره شهادة تفوق للمجتمع الذي تركوه.

ابحثوا عن أسباب نجاحهم، واصنعوا في أوطانكم بيئة قادرة على إنتاج نماذج مشابهة، بدلًا من الاكتفاء بالتصفيق لأشخاص صنعتهم ظروف لم ننجح نحن في توفيرها، فالمجد الحقيقي ليس أن ينتمي الناجح إلينا بالاسم أو الدم، وإنما أن نمتلك القدرة على صناعة الظروف التي تسمح لملايين غيره بالنجاح.

كتب: محمد بلال.

تعليقات

لا تعليقات حتى الآن. لماذا لا تبدأ النقاش؟

اترك تعليقاً