يُعد التقويم القبطي من أقدم التقاويم التي لا يزال أثرها حاضرًا في الحياة اليومية للمصريين، خاصة في المناطق الريفية؛ إذ ارتبطت شهوره بمواسم الزراعة والحصاد وتغيرات الطقس، وظهرت حولها أمثال شعبية توارثتها الأجيال للتعبير عن طبيعة كل فترة من فترات السنة.
ولا يقتصر التقويم القبطي على كونه وسيلة لمعرفة الأيام والشهور، بل يمثل امتدادًا للتراث المصري القديم، ويكشف عن علاقة المصريين بالأرض ونهر النيل ومواسم الزراعة، فما أصل التقويم القبطي؟ وما أسماء شهوره ومعانيها؟ وما أشهر الأمثال الشعبية المرتبطة بها؟
ما هو التقويم القبطي؟ ومتى نشأ؟
التقويم القبطي، المعروف أيضًا باسم التقويم السكندري، هو تقويم شمسي يرجع في أصوله إلى التقويم المصري القديم، الذي اعتمد عليه المصريون في تنظيم السنة ومتابعة الفصول والأنشطة الزراعية، وكان التقويم المصري القديم يتكون من 12 شهرًا، مدة كل منها 30 يومًا، تضاف إليها خمسة أيام في نهاية السنة، عُرفت باسم الأيام الإضافية أو الشهر الصغير، ليصبح مجموع أيام السنة 365 يومًا.
وفي عام 238 قبل الميلاد، صدر مرسوم كانوب في عهد الملك بطليموس الثالث، واقترح إضافة يوم سادس كل أربع سنوات لضبط التقويم مع السنة الشمسية، لكن تطبيق هذا النظام لم يستقر إلا لاحقًا في ظل الحكم الروماني، عندما تزامن التقويم المصري مع التقويم اليولياني عام 25 قبل الميلاد، أما التأريخ القبطي المتداول كنسيًا، فيبدأ من عام 284 ميلاديًا، وهو العام المرتبط بتولي الإمبراطور دقلديانوس الحكم، وتُعرف سنواته باسم سنوات الشهداء.
ويتكون التقويم القبطي حاليًا من 13 شهرًا: 12 شهرًا مدة كل منها 30 يومًا، وشهر صغير في نهاية السنة يتكون من خمسة أيام، أو ستة أيام في السنة الكبيسة.

أسماء الشهور القبطية بالترتيب
تحتفظ الشهور القبطية بأسماء ذات جذور مصرية قديمة، وإن تغير نطقها وكتابتها عبر العصور، وفيما يلي ترتيبها:
- توت.
- بابة.
- هاتور.
- كيهك.
- طوبة.
- أمشير.
- برمهات.
- برمودة.
- بشنس.
- بؤونة.
- أبيب.
- مسرى.
- النسيء، ويُعرف أيضًا بالشهر الصغير.
وتبدأ السنة القبطية عادةً في 11 سبتمبر وفق التقويم الميلادي، وقد توافق 12 سبتمبر في بعض السنوات، بحسب ترتيب السنة الكبيسة.

أصل أسماء الشهور القبطية ومعانيها
ترجع أسماء الشهور القبطية إلى اللغة المصرية القديمة، وارتبط عدد منها بأسماء معبودات ومناسبات واحتفالات دينية قديمة، ومع مرور الزمن انتقلت هذه الأسماء عبر مراحل اللغة المصرية حتى وصلت إلى صيغها القبطية والعربية المتداولة، وفيما يلي أشهر التفسيرات اللغوية والتاريخية لأسماء الشهور:
1. شهر توت
يرتبط اسم توت بالإله تحوت، الذي عُرف في المعتقدات المصرية القديمة بأنه إله الحكمة والكتابة والمعرفة والحساب، ويأتي توت في بداية السنة القبطية، ويوافق عادةً جزءًا من شهري سبتمبر وأكتوبر.
2. شهر بابة
يرتبط اسم بابة بعيد أوبت، وهو احتفال ديني قديم كان يشهد انتقال موكب الإله آمون من معبد الكرنك إلى معبد الأقصر، في طقوس احتفالية عُرفت في طيبة، الأقصر حاليًا.
3. شهر هاتور
يرجع اسم هاتور إلى الإلهة حتحور، التي ارتبطت في المعتقدات المصرية القديمة بالحب والجمال والموسيقى والأمومة والفرح، وكانت من أبرز المعبودات في مصر القديمة.
4. شهر كيهك
يرتبط اسم كيهك بتعبير مصري قديم يُقرأ «كا حر كا»، وتربطه بعض التفسيرات بمعتقدات واحتفالات دينية خاصة بالأرواح والقرابين، وتختلف تفاصيل تفسير الاسم بين المصادر.
5. شهر طوبة
يرجع اسم طوبة إلى أصل مصري قديم يرتبط بمعنى القرابين أو تقديمها، وهو الشهر الذي يوافق جزءًا من يناير وفبراير، ويشتهر في الذاكرة الشعبية المصرية بشدة برودته.
6. شهر أمشير
يرتبط اسم أمشير باسم مصري قديم يُعرف في بعض التفسيرات باسم «مخير»، ويرتبط اسمه في الموروث الشعبي بالرياح والزوابع، نظرًا إلى تقلبات الطقس وكثرة الرياح خلال هذه الفترة.
7. شهر برمهات
يرتبط اسم برمهات في بعض التفسيرات بمناسبة أو عيد يعود إلى الملك أمنحتب، ويأتي في فترة من السنة ترتبط بنمو المحاصيل واقتراب بعض مراحل الحصاد.
8. شهر برمودة
يرتبط اسم برمودة بالإلهة رننوتت، التي عُرفت في المعتقدات المصرية القديمة بارتباطها بالحصاد والخصوبة وحماية المحاصيل، وهو ما يفسر الصلة التي تذكرها بعض المصادر بين الاسم والزراعة.
9. شهر بشنس
يرتبط اسم بشنس بالإله خونسو، إله القمر في المعتقدات المصرية القديمة، والذي ارتبط أيضًا ببعض المظاهر الدينية الخاصة بمدينة طيبة.
10. شهر بؤونة
يرتبط اسم بؤونة بعيد الوادي، وهو أحد الاحتفالات الدينية القديمة التي ارتبطت بانتقال موكب آمون إلى الضفة الغربية من النيل، حيث كانت توجد المقابر والمعابد الجنائزية.
11. شهر أبيب
يرتبط اسم أبيب بأصول مصرية قديمة، وتختلف التفسيرات المتعلقة به بين المصادر اللغوية والتاريخية؛ لذلك لا يمكن الجزم بأنه يعود إلى اسم إلهة بعينها دون سند موثوق.
12. شهر مسرى
يرتبط اسم مسرى بالتعبير المصري القديم «مسو رع»، الذي يُفسر بمعنى «ميلاد رع» أو «ولادة الإله رع»، وهو إله الشمس في المعتقدات المصرية القديمة.
13. شهر النسيء
النسيء هو الشهر الصغير الذي يأتي في نهاية السنة القبطية، ويتكون من خمسة أيام في السنة العادية وستة أيام في السنة الكبيسة، ويُستخدم لاستكمال عدد أيام السنة الشمسية.
علاقة التقويم القبطي بالزراعة والمحاصيل
ارتبط التقويم القبطي منذ نشأته بالحياة الزراعية في مصر؛ فقد اعتمد المصريون القدماء على متابعة حركة الشمس والنجوم ودورة نهر النيل لتنظيم أنشطتهم الزراعية، ومعرفة مواعيد الزراعة ونمو المحاصيل والحصاد، وقُسمت السنة المصرية القديمة إلى ثلاثة فصول رئيسية، ارتبط كل منها بمرحلة من مراحل الزراعة:
- فصل الفيضان (آخت): ارتبط بارتفاع مياه النيل وغمر الأراضي الزراعية بالمياه، وهو ما ساعد على ترسيب الطمي وتجديد خصوبة التربة.
- فصل الإنبات (برت): ارتبط بانحسار مياه الفيضان وتجهيز الأرض وزراعة المحاصيل ونمو النباتات.
- فصل الحصاد (شمو): ارتبط بنضج المحاصيل وجمعها، والاستعداد للموسم الزراعي التالي.
ومع استمرار استخدام الشهور القبطية في مصر، ظلت بعض هذه الارتباطات حاضرة في الذاكرة الزراعية، خاصة لدى الفلاحين الذين يستعينون بها في متابعة مواسم الزراعة والحصاد، إلى جانب الاعتماد على الظروف الجوية الفعلية واحتياجات كل محصول.
ومن المهم الإشارة إلى أن الشهور القبطية لا تتطابق تمامًا مع الطقس كل عام، كما أن مواعيد الزراعة تختلف باختلاف المحصول والمنطقة والظروف المناخية، وقد شهدت الزراعة المصرية تطورات كبيرة عبر العصور، ومن بينها التغيرات التي عرفتها في عهد محمد علي، والتي يمكنك التعرف عليها في مقال الزراعة بداية عصر النهضة المصرية في عهد محمد علي.

أشهر الأمثال الشعبية المرتبطة بالشهور القبطية
لم تقتصر علاقة المصريين بالشهور القبطية على الزراعة، بل امتدت إلى الأمثال الشعبية التي عبرت عن خبرات الفلاحين وملاحظاتهم لتغيرات الطقس ومواسم المحاصيل، وقد تناولت بوابة الأهرام تاريخ الأمثال الزراعية المرتبطة بالشهور القبطية، موضحةً علاقتها بمواسم الزراعة والحصاد في الريف المصري، ومن أشهر هذه الأمثال:
1. «توت يقول للحر موت»
يرتبط هذا المثل ببداية شهر توت وانكسار موجة الحر الصيفية تدريجيًا، مع اعتدال الأجواء نسبيًا، وبدء الاستعداد لموسم زراعي جديد.
2. «بابة خش واقفل الدرابة»
يشير المثل إلى بداية الشعور ببرودة الطقس خلال شهر بابة، والحرص على إغلاق النوافذ الصغيرة في البيوت الريفية، والتي تُعرف باسم «الدرابة».
3. «هاتور أبو الدهب منثور»
يرتبط المثل بموسم زراعة القمح، الذي يُعد من المحاصيل الأساسية في مصر، ويشير إلى انتشار الحبوب في الأرض استعدادًا لنمو المحصول.
4. «كيهك شيل إيدك من غداك وحط في عشاك»
يعبر المثل عن قصر ساعات النهار وطول الليل خلال شهر كيهك، وما يصاحبه من تغير في مواعيد الأنشطة اليومية والطعام.
5. «طوبة تخلي الشابة كركوبة»
يصف المثل شدة البرد خلال شهر طوبة، حتى إن الإنسان النشيط قد يشعر بالكسل والانكماش بسبب انخفاض درجات الحرارة.
6. «أمشير أبو الزعابيب الكتير»
يرتبط هذا المثل بكثرة الرياح وتقلبات الطقس خلال شهر أمشير، الذي يشتهر في الموروث الشعبي بهبوب الرياح القوية والزوابع.
7. «برمهات روح الغيط وهات»
يشير المثل إلى نمو بعض المحاصيل واقترابها من النضج، بما يسمح للفلاح ببدء جمع بعض المنتجات الزراعية من الحقول.
8. «برمودة دق العامودة»
يرتبط المثل بمراحل التعامل مع محصول القمح، ويشير إلى عمليات فصل الحبوب عن السنابل وتجهيز المحصول بعد الحصاد.
9. «بشنس يكنس الغيط كنس»
يعبر المثل عن اقتراب انتهاء موسم الحصاد، وجمع المحاصيل من الحقول، حتى تبدو الأرض وكأنها خالية مما كان فيها من زرع.
10. «بؤونة نقل وتخزين المؤنة»
يشير المثل إلى الاهتمام بنقل المؤن والحبوب وتخزينها، في إطار الاستعداد لفترات السنة التالية، والحفاظ على المحاصيل بعد جمعها.
11. «أبيب فيه العنب يطيب»
يرتبط المثل بموسم نضج العنب في بعض المناطق، ويعكس ملاحظة الفلاحين لتوقيت نضج الثمار خلال هذه الفترة.
12. «مسرى تجري فيه كل ترعة عسرة»
يرتبط المثل بارتفاع منسوب المياه في الترع والمجاري المائية خلال فترة الفيضان قديمًا، ويشير إلى وفرة المياه ووصولها إلى الأراضي الزراعية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأمثال تعبر عن خبرات وملاحظات شعبية تراكمت عبر أجيال، وقد تختلف دلالاتها أو توقيتاتها من منطقة إلى أخرى، كما أن تغير نظم الري والزراعة والطقس يجعلها غير صالحة وحدها لتحديد المواعيد الزراعية حاليًا.
يمثل التقويم القبطي جزءًا مهمًا من التراث المصري، فهو ليس مجرد وسيلة لحساب الأيام والشهور، بل سجل تاريخي يعكس علاقة المصريين القدماء بالأرض ونهر النيل ومواسم الزراعة، ولا تزال أسماء شهوره وأمثاله الشعبية حاضرة في الحياة اليومية، لتذكرنا بخبرات الأجداد وملاحظاتهم التي انتقلت من جيل إلى آخر.
كتبت: سحر علي.
الأسئلة الشائعة حول التقويم القبطي
كم عدد شهور التقويم القبطي؟
يتكون التقويم القبطي من 13 شهرًا؛ 12 شهرًا مدة كل منها 30 يومًا، بالإضافة إلى شهر النسيء الذي يتكون من خمسة أيام أو ستة أيام في السنة الكبيسة.
ما أول شهر في التقويم القبطي؟
شهر توت هو أول شهور السنة القبطية، ويبدأ عادةً في 11 سبتمبر بالتقويم الميلادي، وقد يبدأ في 12 سبتمبر في بعض السنوات.
لماذا يرتبط التقويم القبطي بالزراعة؟
لأن أصوله تعود إلى التقويم المصري القديم الذي اعتمد عليه المصريون في تنظيم مواسم الزراعة وفق دورة نهر النيل ومراحل الفيضان والإنبات والحصاد.
ما أشهر الأمثال الشعبية المرتبطة بالشهور القبطية؟
من أشهرها: «توت يقول للحر موت»، و«هاتور أبو الدهب منثور»، و«طوبة تخلي الشابة كركوبة»، و«أمشير أبو الزعابيب»، و«أبيب فيه العنب يطيب».
ما الفرق بين التقويم القبطي والتقويم المصري القديم؟
يرجع التقويم القبطي إلى التقويم المصري القديم، لكنه مر بمراحل من التطور والتعديل، وأصبح يُعرف أيضًا بالتقويم السكندري، ويُستخدم حاليًا في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، كما لا تزال شهوره حاضرة في الثقافة الزراعية والشعبية المصرية.
هل ما زال الفلاحون يستخدمون الشهور القبطية؟
نعم، لا تزال أسماء الشهور القبطية مستخدمة في بعض المناطق الريفية المصرية، ويستعين بها بعض الفلاحين في تذكر مواسم الزراعة والحصاد، إلى جانب الاسترشاد بالظروف المناخية واحتياجات المحاصيل.

