«آسف.»
كلمة بسيطة جدًا، لكن يبدو أننا أصبحنا نستخدمها أكثر مما ينبغي.
نعتذر عندما نخطئ، وهذا طبيعي.
لكن ماذا لو أصبحنا نعتذر عن أشياء لا تستحق الاعتذار أصلًا؟
نعتذر لأننا تأخرنا في الرد، لأننا رفضنا طلبًا، لأننا احتجنا إلى بعض الوقت لأنفسنا، لأننا لم نستطع أن نكون متاحين طوال الوقت، أو حتى لأننا قلنا «لا» في موقف كان من حقنا أن نقول فيه «لا».
وكأننا تربينا على فكرة غريبة:
أن راحتنا تحتاج إلى تبرير، وأن حدودنا تحتاج إلى اعتذار.
—
ربما أصبحنا «جيل الاعتذار المستمر» لأننا اعتدنا أن نخاف من إزعاج الآخرين.
نخاف أن يظن أحد أننا أنانيون إذا رفضنا.
نخاف أن يبتعد شخص عنّا إذا لم نكن متاحين له دائمًا.
نخاف أن يغضب أحد إذا عبّرنا عن رأينا بصراحة.
فنختار الاعتذار قبل أن نعرف حتى:
هل أخطأنا فعلًا؟
فنقول:
«آسف إني مش هقدر أجي.»
بدلًا من:
«مش هقدر أجي.»
ونقول:
«آسف إني محتاج أبقى لوحدي شوية.»
بدلًا من أن ندرك أن احتياجنا للمساحة أمر طبيعي.
ونقول:
«آسف إني رفضت.»
وكأن رفضنا لشيء لا نريده جريمة تحتاج إلى المغفرة.
—
المشكلة ليست في كلمة «آسف».
الاعتذار شيء جميل عندما يكون في مكانه، ويدل على وعي الإنسان وقدرته على الاعتراف بخطئه.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتذار من مسؤولية إلى خوف.
أن تعتذر لأنك أخطأت، هذا نضج.
أما أن تعتذر لأنك وضعت حدًا، أو اخترت نفسك، أو لم تستطع إرضاء الجميع، فهنا يجب أن تتوقف وتسأل نفسك:
لماذا أشعر أن من حقي أن أعتذر عن كوني إنسانًا له احتياجات وحدود؟
—
هناك فرق كبير بين أن تقول:
«أنا آسف لأني جرحتك.»
وبين أن تقول:
«أنا آسف لأني لم أستطع أن أفعل ما تريده.»
الأولى مسؤولية.
أما الثانية فقد تكون مجرد شعور بالذنب لأنك لم ترضِ شخصًا آخر.
وهذا الشعور يجعل الإنسان مع الوقت يعيش وهو يحاول أن يكون مناسبًا للجميع.
يوافق حتى عندما يريد الرفض.
يسكت حتى عندما يريد الكلام.
يتحمل فوق طاقته حتى لا يخذل أحدًا.
ثم في النهاية يشعر بالتعب، وربما لا يعرف حتى لماذا.
—
والأصعب أن الإنسان عندما يعتاد الاعتذار عن كل شيء، يبدأ أحيانًا في الاعتقاد أن وجوده نفسه عبء.
يعتذر عندما يتحدث كثيرًا.
يعتذر عندما يطلب شيئًا.
يعتذر عندما يحتاج إلى المساعدة.
يعتذر عندما يمر بيوم سيئ.
يعتذر حتى عن مشاعره.
وكأن الرسالة التي وصلت إليه طوال الوقت كانت:
«كن أقل إزعاجًا، أقل احتياجًا، أقل طلبًا… حتى يحبك الآخرون.»
لكن الحقيقة أن العلاقات الصحية لا تحتاج منك أن تختفي حتى تستمر.
والأشخاص الذين يحبونك فعلًا لن يجعلوك تشعر أنك عبء لمجرد أنك إنسان.
—
نحن بحاجة إلى أن نتعلم جملة أخرى غير «آسف».
جملة بسيطة لكنها صعبة على كثير منّا:
«شكرًا لتفهمك.»
بدلًا من:
«آسف إني اتأخرت في الرد.»
يمكن أن تقول:
«شكرًا إنك استنيتني.»
بدلًا من:
«آسف إني مش هقدر أساعدك.»
يمكن أن تقول:
«أتمنى أقدر أساعدك، لكن مش هقدر المرة دي.»
وبدلًا من أن تعتذر لأنك تحتاج إلى الراحة:
«أنا محتاج وقت لنفسي، وهكلمك لما أكون أفضل.»
لا تحتاج كل حدودك إلى اعتذار.
ولا تحتاج كل اختياراتك إلى موافقة الآخرين.
—
لكن هذا لا يعني أن نتوقف عن الاعتذار.
على العكس.
نحتاج إلى أن نعيد الاعتذار إلى مكانه الصحيح.
أن نقول «آسف» عندما نخطئ فعلًا.
عندما نؤذي شخصًا.
عندما نتسبب في مشكلة.
عندما نتصرف بطريقة نعرف أننا كنا مخطئين فيها.
لكن لا نستخدمها كل مرة نشعر فيها بالذنب.
لأن الشعور بالذنب لا يعني دائمًا أنك مذنب.
أحيانًا أنت فقط تفعل شيئًا لم يعتد الآخرون أن تفعله منك.
وأحيانًا غضب شخص منك لا يعني أنك أخطأت بحقه.
وأحيانًا رفضك لا يجعلك شخصًا سيئًا.
—
ربما حان الوقت لأن نراجع بعض الكلمات التي نقولها بشكل تلقائي.
قبل أن تقول «آسف»، اسأل نفسك:
هل أخطأت فعلًا؟
إذا كانت الإجابة نعم، اعتذر.
أما إذا كانت الإجابة لا، فلا تجعل خوفك من غضب الآخرين يجبرك على الاعتذار عن شيء ليس خطأ.
لأنك لست مطالبًا بأن تكون متاحًا طوال الوقت.
ولست مطالبًا بإرضاء الجميع.
ولست مطالبًا بالتخلي عن راحتك حتى لا يشعر أحد بالضيق.
من حقك أن تقول لا.
من حقك أن تتعب.
من حقك أن تحتاج إلى مساحة.
ومن حقك أن تختار نفسك أحيانًا.
وفي النهاية، ربما لا نحتاج أن نتخلص من كلمة «آسف».
نحتاج فقط أن نستخدمها عندما تستحق أن تُقال.
لأن أجمل اعتذار هو الذي يأتي من إنسان يعرف أنه أخطأ.
وأقسى شيء أن يعيش الإنسان معتذرًا…
عن أشياء لم يكن مخطئًا فيها من الأساس.
كتبت: فرح محمد.
ولأن بعض المشاعر لا تجد طريقها إلينا إلا عبر الكلمات، تصفح قسم «إبداعات قلم»، واقرأ المزيد من الخواطر والقصص القصيرة التي قد تجد بين سطورها شيئًا يشبهك.


