قبل ساعات فقط، كان قميص ليونيل ميسي لا يزال يتصدر واجهات محال الملابس الرياضية في مصر سواء مع برشلونة أو الارجنتين، وتتصدر صوره غرف الشباب، بينما ظل اسمه لسنوات مرادفًا للمتعة الكروية والموهبة الخالصة.

ومنذ تألق ميسي مع برشلونة ثم قيادته منتخب الأرجنتين إلى المجد العالمي، أصبح ميسي بالنسبة إلى ملايين المصريين أكثر من مجرد لاعب كرة قدم؛ بل أيقونة كروية ألهمت جيلاً كاملًا.

لكن أحداث المستطيل الأخضر، كما تصنع الأساطير، قادرة أيضًا على إعادة رسم المشهد في لحظات قليلة.

فبعد المواجهة المثيرة التي جمعت مصر والأرجنتين في دور الـ16 من كأس العالم 2026، والتي انتهت بفوز الأرجنتين 3-2 بعد عودة دراماتيكية، وما صاحبها من قرارات تحكيمية مثيرة للجدل، وخاصة بعد إحرازه لهدف قاتل في الدقائق الأخيرة حرم الفراعنة من إنجاز تاريخي ، حتى أن جزءًا كبيرًا من الجماهير المصرية لم يغادر الملعب فقط بحسرة الخروج، بل غادر أيضًا بعلاقة مختلفة مع اللاعب الذي طالما عشقوه.

IMG ٢٠٢٦٠٧١١ ٢٣٥٥١٩
صورة نشرتها صفحة الفيفا الرسمية قبل إحراز الهدف الاول للأرجنتين

من لاعب محبوب إلى بطل في مواجهة الغضب المصري

لسنوات طويلة، كان ميسي اللاعب الأجنبي الأكثر شعبية في الشارع المصري. ارتدى الأطفال قميصه في المدارس والأندية، وامتلأت المقاهي بصوره، بينما تنافس عشاق برشلونة والأرجنتين في الدفاع عنه خلال كل مقارنة مع منافسيه.

لكن عقب مباراة الثلاثاء، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بعبارات الغضب وخيبة الأمل، وتحول اسم ميسي إلى محور جدل واسع، ليس بسبب أدائه الفني فقط، وإنما بسبب شعور قطاع من الجماهير بأن منتخب مصر تعرض لظلم تحكيمي غيّر مسار المباراة.

الاعتراضات المصرية لم تقتصر على الجماهير، بل امتدت إلى الجهاز الفني واللاعبين، فقد اعترض المنتخب المصري على عدة قرارات تحكيمية، أبرزها إلغاء هدف مصري بعد مراجعة تقنية الفيديو، ورفض احتساب ركلة جزاء في الدقائق الأخيرة، وهي قرارات اعتبرها الجهاز الفني مؤثرة في نتيجة اللقاء. كما أعلن المدير الفني حسام حسن اعتراضه الشديد على الأداء التحكيمي، معتبرا أن القرارات كانت مجحفة بحق منتخبه.

اتهامات عالمية بمحاباة الأرجنتين

ولم يتوقف الجدل عند الحدود المصرية، فبعد المباراة، تداولت وسائل إعلام ومحللون رياضيون في الخارج انتقادات واسعة للأداء التحكيمي، بينما تحدثت تقارير صحفية عن اتهامات وجهها بعض المعلقين والجماهير بوجود ميل في بعض القرارات لصالح منتخب الأرجنتين، بل إن بعضهم أعاد طرح النقاش القديم حول ما إذا كانت النجوم الكبار يحظون بحماية أكبر داخل البطولات الكبرى.

كما أعادت تقارير دولية نشر تصريحات شخصيات رياضية وإعلامية شككت في اتساق قرارات تقنية الفيديو خلال مباريات الأرجنتين، دون تقديم أدلة تثبت وجود تلاعب أو فساد، وهو ما يبقي تلك الاتهامات في إطار الآراء والانتقادات المتداولة، وليس الحقائق المثبتة.

وأعادت مبارة مصر والأرجنتين إلى الواجهة اتهامات قديمة تلاحق الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” كلما تقدم اللاعب الأرجنتيني ليونيل ميسي والمنتخب الأرجنتيني في البطولة.

فبين جدل تحكيمي وطريق اعتبره بعض المشجعين “أسهل” نحو النهائي، تصريحات أثارت تفاعلاً واسعاً وعاد السؤال الذي يتكرر منذ سنوات، هل يتعلق الأمر بمحض مصادفات كروية، أم أن القيمة الرياضية والتجارية لميسي تجعل كل قرار مثير للجدل مادة خصبة للاتهامات؟

زادت حدة النقاش مع تداول تصريحات لرئيس الفيفا جيانو إنفانتينو عقب فوز الارجنتين على الرأس الأخضر “كاب فيردي” في الدور الـ 32، تحدث فيها عن “معاناته مع المنتخب الأرجنتيني خلال المباراة” وقال إنه “شعر بتسارع نبضات قلبه” وهنأ الجماهير الأرجنتينية، “حتى المراقبين المحايدين عاشوا لحظات الإثارة”،

قبل أن يستدرك إنفانتينو مؤكدًا أن ذلك لا ينتقص من حياده كرئيس للفيفا، الأمر الذي اعتبره مشجعون تعبيرًا عن انحياز شخصي للأرجنتين، وأعاد إلى الواجهة الاتهامات المتكررة بمحاباة ميسي ومنتخب بلاده.

هل خسر ميسي جماهيره في مصر؟

من المؤكد أن صورة ميسي اهتزت لدى شريحة واسعة من الجماهير المصرية تعرضت لهزة غير مسبوقة.

فالمشجع الذي كان يحتفل بأهدافه بالأمس، وجد نفسه يهتف ضده، ليس بالضرورة بسبب ميسي نفسه، وإنما لأن خسارة جاءت بعد مباراة يعتقد كثيرون أنها حفلت بقرارات تحكيمية مثيرة للجدل.

كما استرجع المصريون من الذاكرة تصريحات ليونيل ميسي عام 2016 التي قال فيها إنه يهدي حذاءه الخاص من أجل عرضه في مزاد علني والتبرع بقيمته للفقراء في مصر والتي قوبلت وقتها بغضب شديد، ومطالب للاعب العالمي بالاعتذار.

كرة القدم تصنع الحب وتصنع الغضب

في عالم كرة القدم، لا توجد علاقة ثابتة بين الجماهير والنجوم. فالعشق قد يستمر سنوات، لكنه قد يتعرض لاختبار قاسٍ خلال 90 دقيقة.

ولذلك، فإن ما حدث بعد مباراة مصر والأرجنتين ربما لا يمثل نهاية شعبية ميسي في مصر، لكنه بلا شك يمثل إحدى أكثر اللحظات التي اهتزت فيها صورته لدى قطاع واسع من الجماهير، بعد سنوات طويلة ظل خلالها اللاعب الأرجنتيني رمزًا للإبداع الكروي في عيون المصريين.

ويبقى الحكم النهائي للجماهير نفسها، مع مرور الوقت، وما إذا كانت حرارة الغضب ستخفت، أم أن تلك المباراة ستظل نقطة تحول في العلاقة بين ميسي وجمهور كان يومًا من أكثر جماهيره عشقًا.