في السنوات الأخيرة، أصبح من الطبيعي أن يبدأ كثير من الناس يومهم بفتح تطبيقات مثل تيك توك أو إنستجرام أو فيسبوك. نقول لأنفسنا: “خمس دقائق فقط”، لكننا نفاجأ بعد ساعة أو أكثر أننا ما زلنا نقلب بين الفيديوهات، دون أن نتذكر معظم ما شاهدناه. هذه العادة اليومية لم تعد مجرد تضييع للوقت، بل أصبحت مرتبطة بمفهوم جديد يُعرف باسم “التعفن الدماغي” (Brain Rot).

ورغم أن هذا المصطلح ليس تشخيصًا طبيًا، فإنه يُستخدم لوصف التأثير السلبي الناتج عن الإفراط في استهلاك المحتوى السريع والسطحي، والذي قد ينعكس على التركيز، والانتباه، وطريقة التفكير.

تعتمد منصات التواصل الاجتماعي على تقديم محتوى قصير ومتجدد باستمرار، مما يجعل الدماغ يعتاد على الحصول على جرعات سريعة من التحفيز والمتعة. ومع مرور الوقت، يبدأ العقل في البحث عن هذا النوع من الإثارة بشكل دائم، فيصبح من الصعب التركيز في كتاب، أو متابعة محاضرة، أو مشاهدة فيلم طويل، لأن كل ذلك يبدو بطيئًا مقارنة بسرعة المحتوى الذي اعتدنا عليه.

IMG ٢٠٢٦٠٦٢٩ ٢٣٤١٢٩

ولا يقتصر الأمر على ضعف التركيز فقط، بل تظهر علامات أخرى قد يلاحظها كثير من الأشخاص، مثل كثرة النسيان، والتسويف، وصعوبة إنجاز المهام التي تحتاج إلى مجهود ذهني، والشعور بالملل سريعًا، بالإضافة إلى الإمساك بالهاتف بشكل تلقائي حتى دون وجود سبب حقيقي.

ورغم ذلك، لا يمكن اعتبار وسائل التواصل الاجتماعي عدوًا يجب الابتعاد عنه بالكامل، فهي أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية، وتحمل الكثير من الفوائد إذا استُخدمت بطريقة صحيحة. المشكلة ليست في وجودها، وإنما في طريقة تعاملنا معها.

لذلك، فإن الحل يبدأ بالوعي. يمكن تخصيص وقت محدد لاستخدام مواقع التواصل، مع تجنب التمرير العشوائي لساعات طويلة. كما أن القراءة اليومية، حتى لو كانت عشر دقائق فقط، تساعد على استعادة القدرة على التركيز. وممارسة الرياضة، أو حل الألغاز، أو تعلم مهارة جديدة، كلها أنشطة تُحفز الدماغ وتدربه على الصبر والانتباه لفترات أطول. ومن المهم أيضًا منح العقل فترات راحة بعيدًا عن الشاشات، لأن الدماغ يحتاج إلى الهدوء بقدر حاجته إلى المعلومات.

في النهاية، عقولنا تتشكل بما نمنحه لها كل يوم. فإذا اعتدنا على المحتوى السريع فقط، فسوف نفقد تدريجيًا قدرتنا على التركيز العميق والتفكير الهادئ. أما إذا دربنا أنفسنا على التوازن، فسنحافظ على أهم ما نملك: عقل قادر على الفهم، والتحليل، والإبداع.

وربما يكون السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا هو: متى كانت آخر مرة جلست فيها نصف ساعة كاملة بعيدًا عن هاتفك؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد تكشف الكثير عن علاقتنا الحقيقية بالعالم الرقمي.

كتابه /فرح محمد عادل