هناك مدن لا نغادرها أبدًا، حتى حين نبتعد عنها سنوات طويلة. تظل معلقة في الداخل مثل أغنية قديمة، أو رائحة كتاب نسيته فوق رف الزمن. وحين نعود إليها، لا نفاجأ بما تغيّر فيها بقدر ما نفاجأ بما تغيّر فينا. هكذا كانت عودتي إلى المنصورة بعد خمسة وعشرين عامًا؛ رحلة بدأت عند معهد الأورام، وانتهت عند سؤالٍ مؤلم: هل فقدت المدينة ملامحها، أم أنني أنا الذي فقدت ملامحي الأولى؟
“الأماكن لا تموت حين تُهدم، تموت حين نعود إليها فلا نجد أنفسنا فيها”.
هذا بالضبط ما شعرت به وأنا أتجول في حي جامعة المنصورة بعد خمسةٍ وعشرين عامًا من الغياب.
جئت أرافق أمي إلى معهد الأورام، يمتزج داخلي القلق بالرجاء، فإذا بي أرافق نفسي في رحلة بحث طويلة بين أطلال العمر.
نصف نهار كامل أمضيته أتجول بين الكليات والشوارع والمقاهي القديمة، أتكأ على عصا والدتي أتحسس موقع يدها، وربع قرن من الذكريات فوق كتفي.

كنت أبحث عن الجامعة، ثم اكتشفت أنني كنت أبحث عن شيء أصعب بكثير، كنت أبحث عن الرجل الذي كنتُه يومًا.
المنصورة لم تعد هي المنصورة التي تركتها، وأنا أيضًا لم أعد أنا، لكن شيئًا واحدًا بقي كما هو، ذلك الوجع الخفي “الحنين”.
عدتُ إلى المكان بعد خمسةٍ وعشرين عامًا كاملة، كأنني أعود إلى صفحةٍ قديمة في كتاب العمر، مطوية بعناية، لكنها لم تفقد رائحتها. عدتُ لا بقدمين فقط، بل بقلبٍ مثقل، وروحٍ أنهكها القلق، وذاكرةٍ تعرف جيدًا كيف تعثر على نفسها في الزحام. كانت عودتي إلى الشوارع المحيطة بجامعة المنصورة أشبه بمراجعة قاسية لما فعله الزمن بي، وبالمكان، وبالأحلام التي كانت يومًا تبدو قابلة للتحقق، ثم تفرقت في طرق البلاد كما تتفرق أوراق الخريف.
لم أعد إلى الجامعة طالبًا، بل عائدًا إليها من بابٍ آخر؛ باب المرض والوجع والخوف على الأم.
كنت هناك لأن والدتي كانت تُجري عملية في معهد الأورام، في ذات المكان الذي كان يومًا جزءًا من حياتي الأولى، وفي ذات الحرم الذي شهد أجمل سنين العمر، حين كانت الدنيا أصغر، والقلب أكبر، والأحلام أكثر جرأة من الواقع. هناك درستُ، وهناك حلمتُ، وهناك بدأت أتعلم كيف يكون الإنسان ابنًا للمكان ثم غريبًا عنه في الوقت نفسه.
كانت الجامعة التي أعرفها قد بدلت جلدها، مكان كلية الآداب التي عرفتُها صار كلية التمريض الفني، وكلية الطفولة المبكرة، وكأن الذاكرة نفسها لم تعد تصلح لإثبات الملكية، لم تكن الصدمة في التغيير وحده، بل في تلك المسافة الغريبة بين ما ظل في الذاكرة وما صار عليه الواقع. بعض الكليات التي أراها اليوم لم تكن موجودة أصلًا في أيامنا، وكأن الزمن لم يكتفِ بأن يمضي، بل حرص أيضًا على أن يعيد ترتيب الخرائط دون استئذان.
ومع هذا التبدل، كانت هناك مفارقة أكثر قسوة أنني عدتُ إلى المكان الذي شهد بداياتي، بعد أن عبرتُ في حياتي محطاتٍ كثيرة. اشتغلتُ في المكان نفسه، ودرستُ الصحافة والإعلام في أحد المعاهد الخاصة لعامين، وأدرتُ شركة للدعاية والإعلام، وأصدرتُ جريدة إعلامية، ثم انتهى كل ذلك كما تنتهي الأشياء التي نحبها كثيرًا بصمتٍ لا يليق بها، وبعدها ذهبتُ إلى القاهرة، لأصطدم بقسوتها، بأرصفتها، بزحامها، وبالبشر حين يخلعون الرحمة من وجوههم ويتركونها على العتبة.
ومع ذلك، لم تكن عودتي مجرد زيارة عابرة، كانت أشبه بفتح خزائن الذاكرة دفعة واحدة.
تجولت حول الكلية والجامعة ما يقرب من خمس ساعات كاملة، وقت نهاية النهار، وأنا لا أمشي فقط، بل أفتش عن نفسي بين الأحجار والأرصفة والواجهات والباعة والمحال.
كنت أحمل عصا والدتي، تلك العصا العاج، متكئًا عليها كما لو أنني أستدعي منها قوة رمزية لا يراها أحد سواي، شعرتُ، في لحظاتٍ كثيرة، أنني أعبر المشهد مرتديًا روح صلاح السعدني في أعظم أدواره، مرةً كالعمدة سلمان غانم في ليالي الحلمية، ومرةً كالأستاذ جوهر، المثقف الذي يسير وسط الحياة كأنه فوقها لا فيها؛ رجل يعرف عبث الواقع، فيبتسم له بسخرية، ويمضي، متكئًا على عصاه، كأنما يعلن احتجاجه الصامت على كل شيء.
كنت أرى الشوارع والوجوه وأقيس المسافة بين الأمس واليوم، أبحث عن الأماكن التي صنعت لي معنى، ثم اختفت دون إنذار، كافيتريا مروة، مطعم البغل، موافي، قهوة السكرية، قهوة السماحي، قهوة الفراعنة، عم حسن، محمصة البن، العفيفي، الحلمية، وأنا وأنت.

أسماء ليست مجرد لافتات، بل شظايا من روح مدينة، تحمل خصوصيتها المصرية البهيجة، وتقول لك إن للمدينة ذاكرةً مثل البشر، وإن بعض الأماكن لا تموت، بل تتحول إلى حنين.
لكن الحنين اليوم محاصر بغزوٍ من نوع آخر؛ غزو لا يدخل بالدبابات، بل بلافتات مضيئة وأسماء مستعارة، فجأة امتلأت الشوارع بأسماء من نوع، كرم الشام، كرم دمشق، غزل دمشق، سحر الشام، سافر الشام، كريم الشام، دمشق دمشق، الشامي الشامي، حتى المندي والمضبي، وكأن المدينة قررت أن تتحدث بلهجات لا تخصها، وأن تلبس قناعًا مستوردًا لا يشبهها.
المشكلة ليست في الشام ولا في دمشق، فهما جزء من الوجدان العربي الجميل، ولا في اليمن أو السودان أو الخليج، فكلهم أهل وأشقاء، لكن المشكلة في هذا التشويه التسويقي الرديء الذي يقتات على الاسم لا على الجوهر، ويستبدل الهوية بالاستعراض، ويبيع الغربة في عبوة لامعة.
الأعجب أن أصحاب كثير من هذه المحلات مصريون حتى النخاع، لكنهم اختاروا أن يختبئوا خلف أسماء لا تقول شيئًا عنهم. كأن الهوية لم تعد تكفي، وكأن الاسم المحلي صار عيبًا تجاريًا، أو كأن المرء لا ينجح إلا إذا تنكر لملامحه الأولى.
هذه ليست مجرد لافتات؛ إنها دلالة على اضطراب أعمق حين يصبح المستورد أكثر إغراءً من الأصيل، وحين يظن الناس أن تغيير الاسم يكفي لتغيير القيمة.
وفي شارع جيهان، حيث تكاثرت فروع “كاو أند مانكي” والتي تبيع كل شئ، كأنها نباتٌ غريب ينبت على عجل، كان المشهد أقرب إلى سؤالٍ فلسفي ساخر، من نحن حين نستبدل أسماءنا بهذه الخفة؟ وماذا يبقى من الشخصية حين نُسلم ذوقنا إلى موجةٍ لا تعرف الفرق بين المعنى والشكل؟ محلات تبيع أشياء لا تعرفها هي نفسها، مرة أحذية وجلود، ومرة إكسسوارات، ومرة لوحات فنية وأنتيكات، ثم في النهاية يظل الاسم وحده هو البطل، كأنه الغاية والوسيلة معًا. أما “كاو” و”مانكي” فلهما عندي حكاية أخرى أنا أحتاج أن أفهم لماذا يصرّ البعض على أن يضع في وجه المدينة اسمًا لا يشرح نفسه، ثم يطلب من الناس أن يصفقوا له.
ولم يتوقف التحول عند ذلك. حتى العلامات التي كانت تمثل ثقلًا محليًا جميلًا تبدلت ملامحها. حلويات أحمد أمين والفيومي وغيرهما ممن عاشوا في ذاكرة المدينة عقودًا، تغيّر شكلهم ومضمونهم، واختفت أصنافٌ أحببناها، أو ضعفت، أو رحلت في هدوء، كأن الزمن لا يكتفي بجرح واحد، بل يصر على أن يضيف إليه تجاعيد من نوع آخر؛ تجاعيد على الواجهة، وتجاعيد على المعنى.
ثم كانت الضربة الأشد في القلب، حديقة الهابي لاند، تلك الربوة الخضراء على النيل، حيث كانت الروح تجد متنفسًا، وحيث كان المكان يشبه القصيدة، صار كل شيء أثراً بعد عين، هُدمت الحديقة، وصارت عماراتٍ سكنية. لم يرحل المكان فقط، بل رحل معه جزء من الذاكرة الجماعية، جزء من البراءة، جزء من ذلك الزمن الذي كان فيه النيل أقرب، والخطوة أبطأ، والحياة أقل ضجيجًا.
جلستُ في النهاية على قهوة تحمل اسمًا رمزيًا، مجلس الشعب، وكانت تشغّل أغاني شادية وفايزة أحمد ونادية مصطفى، كأنها تؤلف موسيقى الخلفية المناسبة لرجلٍ عاد من ربع قرنٍ كامل ولم يجد نفسه قد شاخ فقط، بل وجد أن الحنين نفسه شاخ قليلًا، ثم رفض أن يموت. هناك، وسط هذا الكوكتيل من الأصوات والذكريات، شعرتُ بأنني وصلت إلى جوهر الحالة، أنا رجل في قمة الحزن، على أعتاب الخمسين، لم يفعل ربما ما يكفي من الحياة، لكنه فعل شيئًا واحدًا بإتقان مؤلم ظل وفيًّا للذاكرة.
ربما لهذا السبب لا يزال المكان يسكنني، حتى وأنا لم أعد أسكنه. أنا حزين على مدينةٍ أعرفها، وعلى ناسٍ أعرفهم، وعلى أسماءٍ كنت أستطيع أن أستدل بها على نفسي، ثم صارت اليوم علاماتٍ على غيابٍ طويل.
ومع ذلك، لا أكره هذا الحنين، هو مرهِق، نعم، لكنه صادق، وهو قاسٍ، لكنه يرفض الخيانة وربما كانت هذه هي مفارقة العمر الكبرى أن تعود إلى المكان الذي صنعك، فتجده لم يعد لك، بينما تكتشف أنك أنت أيضًا لم تعد ذلك الذي كانه.
المنصورة تحولت، وأنا تحولت، لكن بعض الأشياء، لا تزال تقاوم التغيير، الذكرى، والوجع، والحنين، وذاك الحب القديم لمكانٍ لم يعد موجودًا، لكنه ما زال يسكن في الداخل كما يسكن الضوء في قلب نافذة أُغلقت منذ زمن
أدركت أخيرًا أن بعض الرحلات لا تكون للعثور على الأشياء، بل للتصالح مع فقدانها، وأن بعض الأماكن لا يعود جمالها فيما بقي منها، بل فيما تركته داخلنا.
لهذا لم أحزن لأن المنصورة تغيّرت، حزنت فقط لأنني أدركت متأخرًا أن أجمل مدينة عرفتها لم تكن على ضفاف النيل، كانت في الزمن.
والزمن، للأسف، هو المكان الوحيد الذي لا يمكن العودة إليه.د
محمد بلال

