«أنا شخص صريح، ولا أحب المجاملة».
كم مرة سمعنا هذه الجملة؟ وكم مرة أصبحت تُستخدم لتبرير كلمة قاسية، أو تعليق جارح، أو رأي لم يطلبه أحد؟
أصبحنا نعيش في وقتٍ تختلط فيه المفاهيم بشكل غريب؛ فأحيانًا نطلق على الوقاحة «صراحةً»، وعلى القسوة «جرأةً»، وعلى مراعاة مشاعر الآخرين «ضعفًا» أو «نفاقًا».
لكن هل الصراحة فعلًا تعني أن نقول كل ما نفكر فيه، بالطريقة التي نريدها، وفي الوقت الذي نريده؟
بالتأكيد لا.
فالصراحة لا تعني أن نتخلى عن الاحترام.
—
أن تقول لشخص: «أنا لا أحب هذا الأسلوب منك» شيءٌ، وأن تقول له: «أنت شخص مستفز ولا يُطاق» شيء آخر.
أن تخبر شخصًا بأنه أخطأ في موقف ما شيءٌ، وأن تستخدم خطأه لتقلل من قيمته كشخص، شيء آخر تمامًا.
الأولى صراحة.
أما الثانية فهي إهانة، حتى لو سبقتها عبارة: «أنا أقول الحقيقة فقط».
وهنا تكمن المشكلة.
فنحن أحيانًا لا نستخدم الصراحة لكي نساعد الآخرين، بل نستخدمها كغطاء يسمح لنا بقول أشياء مؤذية دون أن نشعر بالذنب.
—
هناك أشخاص يعتقدون أن الصراحة تعني أن تقول للآخر كل ما تراه فيه، حتى لو لم يطلب رأيك.
تعلّق على شكله وملابسه ووزنه وطريقة كلامه واختياراته، ثم عندما يشعر بالضيق تقول:
«أنا صريح، ولا أجامل أحدًا».
لكن السؤال هنا:
هل كل ما نلاحظه في الآخرين يحتاج فعلًا إلى أن نقوله؟
ليس ذلك ضروريًا.
فمن النضج أن تعرف أن هناك أشياء يمكنك ملاحظتها دون أن تعلق عليها، وآراء يمكنك الاحتفاظ بها لنفسك، وكلمات يمكنك اختيار ألّا تقولها؛ ليس خوفًا، بل احترامًا.
فليس كل ما نعرفه يجب أن نقوله، وليس كل ما نشعر به يجب أن نلقيه على الآخرين.
—
والأمر لا يتعلق بالكلمات فقط، بل بالطريقة أيضًا.
يمكنك أن تقول الحقيقة نفسها لشخصين، لكن أحدهما سيشعر أنك تحاول مساعدته، في حين سيشعر الآخر أنك تحاول تحقيره.
الفرق ليس دائمًا في الحقيقة نفسها، بل في الطريقة التي قيلت بها.
أن تقول:
«أعتقد أنك أخطأت في هذا التصرف، وربما من الأفضل أن تراجعه».
أفضل بكثير من:
«أنت دائمًا تفعل أشياء غبية».
في الجملة الأولى أنت تناقش تصرفًا.
وفي الثانية أنت تهاجم الشخص نفسه.
وهذا هو الفرق بين النقد والإهانة.
—
والأغرب أننا أصبحنا أحيانًا نلوم الشخص الذي تأذى من الكلام بدلًا من أن نراجع الكلام الذي قيل له.
يقول شخص كلمة قاسية، وعندما يرى أثرها على الآخر يرد:
«أنت حساس جدًا».
وكأن المشكلة في مشاعر الشخص، وليست في الطريقة التي تحدثنا بها معه.
لكن الحساسية ليست دائمًا عيبًا، كما أن قدرتك على قول كلام جارح دون أن تتأثر به لا تعني أن الآخرين يجب أن يتحملوه.
نحن لا نعرف دائمًا ما الذي يمر به الشخص الذي أمامنا، ولا نعرف أي كلمة قد تظل عالقة في ذهنه لسنوات.
—
ومع ذلك، يجب ألا نفهم الأمر فهمًا خاطئًا.
لا أعتقد أن علينا مجاملة الناس طوال الوقت، أو نخفي الحقيقة خوفًا من أن يغضبوا.
على العكس، الإنسان يحتاج إلى من يقول له الحقيقة.
يحتاج إلى صديق يستطيع أن يخبره عندما يخطئ، وشخص يوقفه عندما يسلك طريقًا خاطئًا، ومن يملك الشجاعة ليقول له شيئًا لا يريد سماعه.
لكن الحقيقة يمكن أن تُقال دون أن تتحول إلى إهانة.
يمكن أن تقول لشخص: «أنت أخطأت»، دون أن تقول له: «أنت فاشل».
يمكن أن تختلف معه دون أن تقلل منه.
يمكن أن ترفض تصرفًا دون أن ترفض الشخص نفسه.
فالصراحة الحقيقية لا تهدم كرامة الإنسان، بل تساعده على رؤية ما لا يستطيع رؤيته بنفسه.
—
ربما نحن لا نحتاج اليوم إلى مزيد من الأشخاص الذين يقولون كل ما يفكرون فيه.
نحن بحاجة إلى أشخاص يعرفون متى يتحدثون، وكيف يتحدثون، ومتى يكون الصمت أكثر احترامًا.
لأن القوة ليست في أن تستطيع قول أي شيء دون حساب.
القوة الحقيقية أن تمتلك القدرة على قول الحقيقة، ومع ذلك تختار كلماتك بعناية.
أن تكون صريحًا، دون أن تكون قاسيًا.
وأن تكون واضحًا، دون أن تكون جارحًا.
وأن تختلف، دون أن تهين.
في النهاية، ليس كل شخص يقول كلامًا قاسيًا شخصًا صريحًا، وليس كل شخص يراعي مشاعر الآخرين شخصًا منافقًا.
أحيانًا يكون الفرق بين الاثنين مجرد قدر من الوعي والإنسانية.
لذلك، قبل أن نقول:
«أنا صريح فقط».
ربما علينا أن نسأل أنفسنا أولًا:
هل كنت صريحًا فعلًا… أم كنت قاسيًا ولم أجد كلمة ألطف أختبئ خلفها؟
لأن الصراحة عندما تفقد احترامها للإنسان، لا تعود صراحة.
بل تصبح قسوة، مهما كان الاسم الذي أطلقناه عليها.
كتبت: فرح محمد.
اقرأ أيضًا: جيل الاعتذار المستمر

